مجلة الحياة العدد 17 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٠٠فيكون الحكم العام أن أهل الذمة يدفعوا ما تصالحوا عليه، وهو ما يؤكده صاحب المصنف في نهاية هذا المبحث، أخذا من جامع أبي محمد: «وليس في زراعة أهل الذمة ولا في ثمارهم صدقة، وإنما الصدقة على أغنياء المسلمين، وأنهم يؤخذ منهم ما وقفوا على العهد بينهم وبين المسلمين»(1).
ويضيف: «وأما أهل الشرك من أهل الحرب، ممن لم يثبت له هذه المعاني فمعنى أنه يخرج من قول أصحابنا إن بعضا يأخذ منهم العشور من أموالهم، إذا قدموا على المسلمين»(2)، أي أن الجزية خاصة بالذميين المقيمين، أما أهل الحرب فيؤخذ العشر.
ويورد صاحب المنصف، قولا آخر في تحديد نسبة ما يؤخذ من العشور بقول البعض: «يؤخذ منهم كما يأخذ ملك أرضهم من المسلمين إذا قدموا عليهم أن كان العشور فالعشور، وإن كان أكثر أو أقل، ولعل هذا القول أكثر»(3). وهذا ما يتطابق مع قول عمر بن الخطاب الوارد آنفا والذي أجاب فيه عن تساءل أبي موسى الأشعري حول معاملة أهل الحرب للمسلمين، فكان الجواب بالمعاملة بالمثل، إذا كان العشور فالعشر، وإن كان أقل فأقل، ويبدو أن أهل الحرب آنذاك كانوا يأخذون العشر لذلك أقر عمر بن الخطاب تلك النسبة وسميت عشورا.
خاتمة:
من هذه الإطلالة على كتاب «المصنف» للشيخ العلامة الكندي ندرك أهمية هذا السفر، وكيف كان مهتما بقضايا المال العام إيرادا وجباية، وقد يكون عرض مسائل الجزية عرضا تاريخيا لا أثر له في العصر الحاضر فقد تغيرت الأمور وانقلبت الموازين، أما تحصيل العشور فله ما يشبهه من إيرادات الدولة المعاصرة وهي الرسوم الجمركية، غير أنه لن تكتمل لنا الصورة واضحة إلا إذا قمنا بالمسح العام لتلك المواضع من خلال أجزائه كلها، وسنعود في الحلقة القادمة لإتمام ما بدأنا عرضه من مسائل الفقه العام في الجزء السادس، إن شاء الله.