مجلة الحياة العدد 17 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٠٣والمقصد يُمكِّننا من تعقّل الحكم وبناء تأسيس منهجي عليه، ليتحول إلى نظرية متماسكة نصبغ بها حياتنا ومناشطها، ومن دون هذا التعقّل الكامل لا يمكن الادّعاء بوجود نظرية إسلامية للاقتصاد، وإنما مجرد أحكام تعبدية لا تتعدى نطاق مناطها الظاهر والأقرب.
ولعل أوضح مقصد لتحريم الربا نلمحه في آيات الربا هو مقصد تحقيق العدل ودفع الظلم ﴿لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ﴾(1)، ولا يحتاج الإنسان كبير عناء ليقف على الظلم السائد في العالم، والحيف الفاحش في توزيع الثروات، فالفقر وسوء التوزيع هو السائد، ولا تزال تتسارع وتيرة تكدّس المال في أيد قليلة من أثرياء العالم، فمجموع ثروة 357 ثريا فاقت الدخل القومي لبلدان يسكنها 45% من سكان العالم! ولا يحصل 80% من سكان العالم إلا على حوالي خمس الدخل العالمي(2)، و «بينما يتساقط جمّ غفير من سكان العالم من المجاعة، تُخَفَّض المساحات المزروعة من القمح في أمريكا ليرتفع سعره، مع قيام الحكومة بتعويض المزارعين، وبينما أنفقت السوق الأوروبية المشتركة أكثر من مائة مليون مارك ألماني في إتلاف آلاف الأطنان من الفواكه والخضر والزبد والجبن، وإبادة قطعان من الماشية خلال 1974م، كان أطفال العالم الثالث يعانون من سوء التغذية، وأمراض الجوع»(3).
ونظرية التوزيع على عناصر الإنتاج تعتبر أهم فارق بين المذاهب الاقتصادية، وهي حجر الزاوية في حل مشكلات الفقر والطبقية، فثمار الإنتاج في النظام الرأسمالي توزع كالتالي؛ للأرض الريع، وللعمل الأجرة، ولرأس المال
(1) -سورة البقرة، الآية: 279.
(2) -كارل غيورك تسين، الرخاء المفقر؛ التبذير والبطالة والعوز، ترجمة: عدنان عباس علي، (الإمارات: مركز الإمارات للدراسات والبحوث، ط1، 2006م)، ص 69.
(3) -كمال محمد، فقه السوق-النشاط الخاص، (دار القلم، ط4، 1424هـ/2003م)، ص49.