مجلة الحياة، العدد 17 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 17 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢٣٦

طالب البعثة ومجتمعه، فكانت نظرته إليه نظرة فيها الكثير من الاستعلاء، ترشح بها كتاباتهم: من ذلك ما جاء في رسالة لإبراهيم دواق إلى أعضاء جمعية الوفاق، حيث يقول: «ولا يخفاكم أنّ أبناء وطنكم كلّ يوم يزيدون في الانشقاق والتباغض والتشاحن، يتسابقون في أنواع الملاهي، وهم في تلك الحالة التي تُبكي الحجر الصلد، ولا تنجلي لكم حقيقة أبناء وطنكم إلاّ إذا عاشرتموهم، و [ليتها] كما تفهمون»(1).

ويتحدّث مفدي عن وطنه مزاب، وعن التعليم العصريِّ فيه، ورأي المجتمع فيه، في رسالة إلى شيخه الثمينيّ، بعد عودته من تونس، فيقول: «للمخلصين هنا فكرة جديدة في مسألة التعليم، وهو الضجر والقناعة بما هو الآن حاصل، وقطع المشروع إلى أن نكبر نحن، فنتوسّع فيه أكثر، وأبناؤنا أكثر، وهكذا /بالتدريج؛ وإنّ الأمّة لا تحتاج إلى أكثر من ذلك، ولا في الفرنسوية أكثر من فهم ”الدبيش“، فاتركونا ”ترانكيل“، واحمدوا الله، ولا توجّهوا الحكومة إلينا، فلولا مسألتكم لما كانت مسألة العسكريّة، وإنّ وطننا لا يتحمّل العلوم العصريّة، ولا تصلح فيه، فاتّقوا الله وناموا!!!

الناس هنا ميِّتون جامدون، يحسبون المفاهمة عنادًا ووقاحة، ويخافون ولو من ظلِّهم، ولا أستثني إلاَّ اثنين، عمَّنا عمر بن داود بزملال، وعمَّنا زكري بن سعيد؛ وإنِّي أودُّ هجاء مزاب بقصيدة مطلعها:

وبلدةٍ ليسبهاأنيس *** إلاَّ اليعافير، وإلاَّ العيسُ»(2).

وفي المقابل تولَّدت في المجتمع تلك الصورة النمطيَّة عن هؤلاء المتعلِّمين، «الذين قرؤُوا ثلاثة حروف، وجاءوا يفهمون علينا»، وترسَّخت فيه؛ حتّى غدت عقبة كؤودا في وجه مساعي التغيير والإصلاح مهما أخلص أصحابه في

(1) -الرسالة، 26/ 08/1925م، أرشيف الشيخ الثمينيّ، بتونس.

(2) -الرسالة، غير مؤرّخة، أرشيف الشيخ الثمينيّ، بتونس.

١٨٦ / ٣٣٣