مجلة الحياة العدد 17 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢١٩أجازت الشريعة الإسلامية الكذب من أجل الإصلاح بين المتخاصمين، فقال ح «ليس الكذّاب الذي يصلح بين الناس ويقول وينمي خيراً»، قال ابن بابويه «إن الله أحل الكذب في الإصلاح وأبغض الصدق في الإفساد» فتنبهوا لذلك.
عن أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عُقْبَةَ بن أبي معيط(1) أنها سمعت رسول الله ح وهو يقول «لَيْسَ الْكَذابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ فَيَنْمِي خَيْرًا أَوْ يَقُولُ خَيْرًا»(2)، وقال بن شهاب: «لم أسمع يرخص في شيء مما يقول الناس كذبا إلا في ثلاث: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها»(3). ولعظم فضل الإصلاح بين الناس جعلت الشريعة إثم الكذب منتفياً عمن يصلح بين الناس، فقال النبي ح: «لم يكذب من نمى بين اثنين ليصلح». ويعني ذلك أن المصلح له أن ينمي ويبالغ ويبرز جوانب الخير بين المتخاصمين ويخفي ويتجاوز الأقوال والأفعال التي تثير الفتنة ويسكت عنها أو يذكرها بالتورية والتعريض. فإذا سئل مثلا: هل قال فلانٌ فيّ كذا؟ فنفى ذلك لم يكن كاذباً، مع أن الكذب في الشريعة أمرٌ قبيحٌ جداً، لكن لما كانت مصلحة إصلاح ذات البين أعظم من مفسدة الكذب رخَّصت فيه الشريعة، ولم تجعل فيه إثماً على من فعله لأجل الإصلاح بين الناس(4).
إن فوائد الصلح في المجتمع كثيرة، فلا تعدُّ ولا تحصى ومنها إنه يثمر إحلال الألفة مكان الفرقة، ويستأصل داء النزاع قبل أن يستفحل، ويحقن الدماء قبل أن تراق، ويوفر الأموال التي تنفق للمحامين بالحق وبالباطل، ويحمي الشهود من شهادة الزور، ويجنب المتشاجرين من الاعتداءات على الحقوق والنفوس والأعراض، وجعلت الشريعة للمصلح حقاً من الزكاة أو من بيت المال، لأداء ما تحمله من الديون بسبب الإصلاح، ولو كان قادراً على أدائها من ماله الخاص، فقال الله تعالى: وَالْغَارِمِينَ(5) وهم من تحملوا الديات لأجل الإصلاح بين الناس، وكف بعضهم عن قتل بعض.
(1) -من المهاجرات الأوائل التي بايعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
(2) -رواه البخاري.
(3) -رواه البخاري.
(4) -محاضرة للشيخ محمد صالح المنجد، م، س، ص 01.
(5) -سورة التوبة، الآية 60.