مجلة الحياة العدد 17 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٣٨المرحلة الإبتدائية: 1422 - 1426هـ/ 1905 - 1908 م
كُتَّاب الشيخ الحاج أمحمَّد بن يوسف العطفاوي
لمَّا بلغ الولد إبراهيم السادسة من عمره، أراد والده أن يدخله الكُتَّاب، وهم عازم على أن ينذره للعلم، وآمل فيه أن يكون عالمًا مصلحًا، ولكنَّ الولد إبراهيم الذي ألف العيش الرغد في بيت الحكم، بيت جدِّه لأمِّه، والمعاملة المدلَّلة في كنف جدَّته لأمِّه، أبى الالتحاق بالكتَّاب، خوف التقيُّد بضوابطه، والالتزام بنظمه، من لباس الطاقية، وحلق الرؤوس، وارتداء الألبسة البيضاء، وهو لا يودُّ ترك لباسه الجميل، وحلق لمَّته، لقد كان يتصوَّر الكتاتيب ومعاهد التعليم عذابًا وحرمانًا مكتوبًا على الفقراء التعساء، الذين أراد الله تعالى لهم الشقاء، أمَّا هو فينتسب إلى دار الحكم والغنى، وماذا سيزيده العلم أكثر ممَّا ينعم فيه من متع الحياة. ولكنَّ والده الذي كان يتوق إلى تنشئة ابنه على حبِّ العلم، وملازمة العلماء اختار له كتَّاب الشيخ الحاج أمحمَّد بن يوسف العطفاوي ليلحقه به.
أمر الوالد أمَّ إبراهيم أن تنظّْف ابنه وتزينه وتعطره ليذهب به إلى الكُتَّاب، ولمَّا علم إبراهيم بذلك هرب إلى بيت جدِّه ليحتمي بجدَّته، لكنَّ أباه لحق به واننزعه من بين أحضانها، وسحبه إلى الكتَّاب وهو يبكي ويمانع، كعادة أغلب التلاميذ في أوَّل دخولهم المدرسة.
أدخل الوالد ولده إبراهيم الكُتَّاب وأجلسه أمام الشيخ، فغشيته روحه وروح الكُتَّاب، وروح التلاميذ من حوله منكبِّين على حفظ القرآن الكريم، وكتابة ألواحهم، فانشرح صدره، وامتلأ قلبه بحبِّ العلم والمعلِّم والتلاميذ، وصار يسرع إلى الكُتَّاب في كلِّ وقت، يودُّ أن لا يخرج منه، لا تصرفه المغريات الكثيرة في دار جدِّه، فازداد إيمانا بأنَّ العلم هو أنفس شيء، وحفظ القرآن الكريم هي الخطوة الأولى، والغنيمة العظمى، فكان يقبل على حفظ كلِّ ما يمليه عليه معلِّمه.
يقول الشيخ بيوض رحمه الله: «كان التعليم محاربًا من طرف الاستعمار الفرنسي، بل كان محرَّما، وإذا وجدوا كتَّابا أو معهدًا عربيًّا يغلقونه ويعاقبون المعلِّم بالغرامة المالية والسجن، وكان هذا التعليم يتمُّ في سرية عن الحكومة العسكرية الفرنسية، فإذا جاء الحاكم العسكري إلى البلدة تتعطَّل الكتاتيب والمعاهد، ويأمر الشيخ محمد التلاميذ بعدم الحضور إلى الكتَّاب، وكان يقول لهم (أُقَّامَانْ يَلاَّ دَا) يعني الحاكم الفرنسي يوجد في البلدة، فيتعطَّل التلاميذ إلاَّ أنا فكان