مجلة الحياة العدد 17 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٤٠قال الشيخ محمد علي دبوز: «كان التلميذ إبراهيم مُغرما بالذهاب إلى المحضرة في أوَّل عهده، وكان عليها فقيه (أي معلم) حازم في متابعة التلاميذ فمات، وخلفه فقيه دون حزم ونشاط الفقيه الأول، فسئم إبراهيم الحضور إلى المحضرة، ورأى أن حضوره إليها مضيعة لوقته، وآثر أن يحفظ لوحه في كُتَّاب معلِّمه الحاج محمد العطفاوي، فكان يتخلَّف عن المحضرة دون إذن والده. وذات مرة بعث والد إبراهيم ببعض الأشياء من السوق إلى بيته مع أحد الحمَّالين، والوقت ما بين الظهر والعصر، فلمَّا رجع الحمَّال سأله: من تسلَّم عنك الأشياء؟ قال له: تسلَّمها منِّي إبراهيم، فعلم الوالد أنَّ إبراهيم لم يذهب إلى المحضرة، فسأل الوالد معلِّم المحضرة عن إبراهيم، فقال له: إنِّي لم أره منذ شهر، فاغتاظ الوالد غيظًا شديدًا، وساءه تصرف إبراهيم، ومخالفته لنظام المحضرة، ولمَّا عاد إلى البيت دعا إبراهيم وضربه ضربًا موجعًا».
يقول الشيخ بيوض: «لقد كان والدي حازمًا صارمًا حريصًا كلَّ الحرص على تربيتنا، وإذا استدعى الأمر استعمال العصا، فإنه يضربني أمام والدتي وأنا أصرخ وأستغيث ولا تستطيع والدتي أن تتدخَّل لشدَّة هيبتها من والدي، وحرصها على تربيتنا يرحمها الله».
أثر الشيخ الحاج محمَّد بن يوسف العطفاوي في الشيخ بيوض
تتمثَّل الوظيفة الكبرى للمعلِّم المخلص وبخاصَّة في المرحلة الابتدائية في تحبيب العلم إلى التلميذ، وملء وجدانه بالتدين القوي، وهذا ما قام به الشيخ الحاج محمَّد في نفس التلميذ إبراهيم، لقد ملأ قلبه شغفا بالعلم، وجعله طالبًا جادًّا يسعى إلى استظهار القرآن الكريم، وإقامة الصلاة، وعمارة المسجد، وحضور دروس الوعظ فيه، والتَّحلِّي بزيِّ طلبة العلم، كما حباه بحبِّ كبير وعناية متميِّزة لما كان يلمس فيه من النجابة والذكاء، حتى كان يودُّ ألاَّ يفارقه ويترك كُتَّابه، ولكن لا بدَّ من انتقال إبراهيم إلى مرحلة أعلى يتسنىَّ له فيها استظهار القرآن الكريم، ومزاولة فنون العلم الأخرى، فكان انتقاله إلى معهد الحاج إبراهيم الإبريكي الذي ذاع صيته في البلدة، فترك إبراهيم الكُتَّاب حزينًا، وفي قلبه حرقة على فراق أوَّل أساتذته، ولكن ظلَّ يضمر له كامل الودَّ، فكان يسرع إليه كلَّما رآه في الطريق، يسلِّم عليه بكلِّ أدب واحترام وتقدير، كما ظلَّ الأستاذ مهتمًّا بتلميذه النابغ إبراهيم يسأله عن السورة التيِّ وصل إليها في القرآن، ويحثُّه على مداومة الجدِّ والاجتهاد.