مجلة الحياة، العدد 17 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 17 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢٤١

معهد الشَّيخ الحاج إبراهيم الابريكي: ما بين سنة 1326 - 1329هـ/1908 - 1911م

انتقل الطالب بيُّوض إبراهيم إلى المعهد وعمُره تسع سنوات، وهو في سورة القصص، من أجل استظهار القرآن الكريم على الشَّيخ الحاج إبراهيم الابريكي، لشهرته الكبيرة في ميدان التَّعليم، وامتياز شخصيَّته بالورع والإخلاص، وللعلاقة الحميمة التي تربطه بوالده، ويقول الشَّيخ بيُّوض: كثيرًا ما كان والدي يقضي حاجات الشَّيخ من السُّوق، وكثيرا ما كان يرسلني بها إلى بيته، وكنت أسمع عن معهده وعن دروسه العامَّة في المسجد.

أحسَّ إبراهيم بالأنس في جناب الشَّيخ فازداد انجذابا إليه، وأيقن أن النَّجاح حليفه في هذا المعهد.

أسرع في يومه الأوَّل إلى استظهار لوحه بتلاوة صحيحة وصوت جميل، وفي جسارة تدلُّ على الاعتداد بالنَّفس، واستدرك لوحده ما فاته من دروس كان الطلبة قد سبقوه إليها.

جلس خلف الحلقة لأنَّه لَمَّا يختم القرآن بعدُ، وراح يتطلَّع إلى الشَّيخ في شغف، ويصغي إلى دروسه في لهف، يحفظ الأحاديث التي يشرحها، ويستوعب العلوم التي يسمعها.

كان يسرع إلى المعهد ويزاحم كبار الطَّلبة حتىَّ يدخل الحلقة، وكان الشَّيخ يقول له: «زاحمهم يا بنيِّ بركبتيك .. زاحمهم!».

كان يجلس دائما أمام الشَّيخ ولا يرضى أن يجلس في مكان آخر، ولاحظ الشَّيخ فيه هذا الإقبال، فأمر تلاميذه ألاَّ يجلس في مكان إبراهيم أحد، إدراكا منه لشدَّة حبِّ إبراهيم للعلم، وإعجابه وشغفه به، وشدَّة انتباهه إلى الدُّروس.

أدرك تمام الإدراك وبسرعة عجيبة قواعد النحو والإعراب أكثر ممَّا أدركه الطلبة الكبار، وكان إذا أشكل على كبار الطَّلبة إعرابُ شاهد من الشواهد يوجِّه الشَّيخ السؤال إلى إبراهيم فيجيب جوابا صحيحا فيقول له الشَّيخ: «فرَّجتِها يا سُخيلة» (مثل لمن يحلُّ المشاكل).

كان لا ينصرف إلى بيته عند أذان العشاء، كما يفعل بقيَّة الطَّلبة غير البالغين للاستراحة والعشاء، ثمَّ يعودون إلى دروس الليل بعد العَشاء، لقد كان يبقى في المعهد خوف أن يفوته افتتاح الدرس، أو يسبقه أحد إلى مجلسه أمام الشَّيخ. فكان يقرأ في هذه الفترة الكتب التي في رفوف المعهد في انتظار عودة الشَّيخ من المسجد، وعودة التلاميذ من بيوتهم. وكانت الكتب على حالة سيِّئة من رداءة الخطِّ وقِدَم أوراقها إذ أغلبها مخطوط قديم.

٢٢١ / ٣٣٣