مجلة الحياة، العدد 17 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 17 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣٢٤

أمَّا المثال الثاني وأعظم به من مثال، فإنَّه لمَّا حفر أول بئر له في مزرعته، أخذ عينة من مائها إلى مخابر التحليل فتبيَّن بأنَّها معدنية تساهم في معالجة بعض الأمراض، فاستصدر رخصة رسمية تسمح له بتعليب الماء وبيعه على أنَّه ماء معدنيٌّ، ولكنَّ ملكة السخاء التي أخذت بمجامع قلبه جعلته يقول: هذا ماء جعل الله تعالى بقدرته دواء لبعض الأمراض، وهذه نعمة من الله أسبغها عليَّ، وفيض من رحمة اللهَّ أرسلها عليَّ، ليبلوني آشكر أم أكفر، فهلاَّ كانت لي هذه البئر المعين أنهارا من ماء غير آسن في دار النعيم، فقام يعدُّ العدد ويوزع هذا الماء مجانا في كلِّ أحياء البلد كما ترون، متحمِّلا لوحده كلَّ المصاريف الضخمة التي تنجم عن تسيير هذا المشروع، مستصغرا ذلك في جنب الله، محتسبا ذلك في بركات الله، فكم من كلية نظفت، وكم من أمعاء صفيت، وكم من قلوب نقيت، وكم نفوس عوفيت ﴿وَمَنَ اَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾

يا أسرة الفقيد ويا أهله، وكلُّنا أسرتُه وأهله، نحن أحقٌّ بالتعزية منكم، ونحن أولي بالتأسية منكم لأنَّ ما أمضاه الفقيد من أوقات في ميادين الجهاد لإعلاء كلمة الله، ونفع عيال الله، أضعاف ما قضاه من وقت معكم طلبا للمتعة والراحة. فلا نشكُّ أنَّ المصاب خطب جلل، وأنَّ الموارى التراب حبٌّ بطل، وقد كان في كمالاته بينكم واسطة العقد، وكان في مكانته فيكم الفحل الذي وطئ المجد، لكن ثقوا في رحمة العزيز الوهاب، وتيقنوا أنَّ الثواب يعظم بقدر المصاب، وأنَّ العبد يبتلى على حسب دينه، فإن كان في دينه صلبا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه، ولتكن لنا ولكم في رسول الله، أسوة حسنة في وفاة أعز أهله و صحبه، لقد صبر واصطبر ابتغاء وجه الله، مسليا نفسه بالسعادة معهم في دار الخلد بجوار الله

فثقوا أعزاءنا الأفاضل بأنا وإياكم على الدرب سائرون، و إلى نفس المعاد صائرون، فعزاؤنا فيكم أنكم أهل للعزاء، دأبنا فيكم أنكم أهل للوفاء، وديددننا

٢٨٩ / ٣٣٣