مجلة الحياة العدد 17 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٢٣الكبر الأسود، لكنَّ فقيدنا لا يزداد حبَّا إلاَّ لمن كان لله محبًّا، ولا يزداد تواضعا إلاَّ من لنفسه واضعًا، تجلس إليه فيغمرك بأدبه ولطفه لتؤنسه، حتى لتودًّ أن لا ينفضَّ عن قريب مجلسه، لا يستنكف وهو الغني أن يتهادى بين اثنين ليأخذ مكانه في المحراب يؤدي فريضة الله، ولا يستكبر وهو الوزير أن يلبس اللِّحاف ليلتحق بحلقة المجلس لتلاوة كتاب الله، فما فارق المسجد إلاَّ يوم أقعده المرض، وما زال لسانه إلى آخر أيامه رطبا بذكر الصلاة، وما زالت نفسه توسوسه دوما خوفا من إضاعة الصلاة، ألا لا حظَّ في الإسلام لمن ضيَّع الصلاةن كما قالها الفروق قبلا وهو يعاني سكرات المماة
أمَّا الخصلة الثانية فهي الكرم وإن شئت فقل سخاء النفس، لقد كان يشعر بالضيق إن هو لم يكرم كلَّ نازل، ويتحسر مضضا إن شعر أنَّه لم يبلغ مناه في كلِّ باذل، تلك سجيته وعليها نشأ، وتلك فطرته وبها انتشى، وحسبي من ذا مثلان اثنين أستشهد بهما على سبيل التمثيل لا التدليل
المثل الأول: لقد كان المرحوم الحاج محمد الخبزي يبيع بعض ثمار مزرعته في أحد الدكاكين، ومنها فاكهة الإجاص التي أينعت ثمرتها عنده، فمرت ذات يوم عجوز على الدكان فرأت ذلكم الإجاص الجميل ولم تقو على شرائه، فقالت هنيئا لمن يطعمه، فبلغ هذا الكلام الحاج محمَّد الخبزي فتألم لذلك فقال: كيف يحلو لي التلذذ بأكله وأنا سبب في حرمان بعض الناس من التمتع بالخير الذي أنعمه الله علي، فقرَّر من حينه ألاَّ يبيع شيئًا منه، فكان يحمله إلى المساجد يتصدَّق به، فعمَّ خيره أهل البلد، وكذلك كان يفعل بأكثر ما تنتتجه مزرعته، وكثيرا ما كان يقول: هذه مزرعتي وأنا صاحبها وأنا أريد أن أقدمها بين يديَّ لألقى بها ربِّي، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. وإذا هلكت فلورثتتي أن يفعلوا بها ما يشاؤون، وأرجو أن يكونوا على الدرب سائرين.