مجلة الحياة، العدد 17 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 17 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١١٩

وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الذِينَ يَعْلَمُونَ وَالذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الاَلْبَابِ}(1)، والصلاة كلها قنوت، وأمَّا الأثر فقوله عن الدعاء بعد الركوع: «هذا أمر مُحدث، لا نعرفه ولا نأثره عمَّن مضى من خيار هذه الأمة»(2).

فهذه نماذج من أقدم مصدر فقهي إباضي في التعامل، في زمن قلَّت فيه الروايات، فلم نجد قدحًا في رجال، ولا اهتمامٌ ببشر، بل هي رؤيةٌ قرآنيةٌ، ونقد للمتن، بل حتى تعاملوا معه عقلاً، وسأذكر مثالين في جانب الطهارة والوضوء فقط لضيق المقام:

*- المثال الأول: تعاملهم مع رواية: «إذاولغالكلبفيإناءأحدكمفليغسلهسبعمراتأولاهنبالتراب»، وما يماثلها من ألفاظ مع بعض الاختلاف، فسئل أبو عبيدة ت (150هـ): أتوقِّت في غسله ثلاثا أو سبعًا كما قال هؤلاء؟ قال: لا أوقت في ذلك وقتا دون حسن التنقية والغُسل، فإن أنقاه في مرَّة واحدة فليتوضأ به(3).

*- المثال الثاني: التوقيت في غسل الوضوء ثلاثا ثلاثا، قال أبو عبيدة (ت150هـ): لا أوقِّت في ذلك وقتا لأنَّه لم يأتنا أمر يُنتهى إليه دون حُسن الغسل والتنقية، إن كان ثلاثا فثلاثا سابغاتٍ، وإنَّ كان اثنتين فاثنتين إذا كانتا سابغتين، أو واحدة فواحدة إذا كانت سابغة، كلُّ ذلك يجزيه، ولا يجزيه ثلاثا أو أكثر من ذلك إذا لم يسبغ الوضوء وينقي، وليس في الإقلال والإكثار في ذلك عندنا وقت»(4).

فالعرضُ القرآني والعملُ مُنطلقان بحاجة إلى أبحاث يخرج منها تأصيل واضح، وذلك لأنَّ الدين أمانة، وإضافة نص إليه لا ينبغي التساهُل فيه، كما أنه لا ينبغي التساهل في إنكاره، وعليه نجد للمدارس الثلاث الأولى الإباضية والزيدية والمالكية تركيزًا جليًّا على هاتين القاعدتين، إلاَّ أنّه بسبب ظهور منهج أهل الحديث المتأخِّر على المناهج الأخرى أدَّى إلى انكماش المناهج الأخرى، وتقليدهم لما قال أهل الحديث.

(1) -الزمر/ 9.

(2) -المدونة: 84.

(3) -المدونة: 48–49.

(4) -المدونة: 48.

٧٨ / ٣٣٣