مجلة الحياة، العدد 17 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 17 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٤٦

التّذوّق، ويدفع إليه الغوص في الأثر الأدبي. هذه الممارسة تمسّ طرفين أو جانبين، وتعمل على تطويرهما: عمليّة التّذوّق التي تتطوّر وتترقّى بالممارسة، وعمليّة التّحليل الفنّي، تتعمّق كلّما نَمت وثيرة التّذوّق(1).

4 – عنصر الخيال مهمّ أيضًا في الارتقاء بالتّذوّق الأدبي. فالخيال: «هو القدرة على رؤية ما لا يرى، واستحضار ما ليس حاضرًا، والتّأليف بين المشاهد والصّور والمواقف المتعدّدة، بطريقة تجعل القارئ يتأثّر ويشارك في الرّأي، وينتقل من عوالم غير عالمه الواقعي. والخيال انفتاح في الذّهن على رحاب واسعة في ميادين الحياة الإنسانية، ومن فجاج الكون على تنوّعها وأبعادها. هو شريط يعرض به الأدباء على قرّائهم صورًا من خوالي الأيّام وحاضرها ومستقبلها، ومن معايش الشّعوب ومقدّراتهم، وخصائصهم في التّفكير والتّنظيم والتّعامل»(2).

لهذه الوظائف التي يقوم بها الخيال في حياة النّاس، ولدوره في تهيئتها وتجميلها والإفادة من مجرياتها، كان للأدب منه نصيب كبير، وشأن عظيم؛ إذ أنّ وجوده فيه يساعده على نقل المتلقّي إلى أجواء الأحداث، ما مضى منها وما يأتي، بل يعين على التّعمّق في فهم ما يدور في المحيط، وما يجيش في النّفس، وتصوّر ما يستقبل من الوقائع والواقعات … فيؤثّر في الوجدان، ويحرّك الأذهان .. «ولسنا نغالي إذا قلنا: إنّ الفرق بين الأدب الجيّد والأدب الرّديء، مردّه في الغالب إلى قدرة التّخيّلعند الأدباء، وابتداع ما هو إنساني مؤثّر»(3). يتدخّل الذّوق بشكل كبير في اكتشاف هذا الخيال في المبدع، وتوجيهه وصقله، ومعرفة دوره في استيعاب ما يشتمل عليه النّصّ من خصائص ومميّزات عند المتلقّي. من ذلك قدرته على فقه حقيقة اللّغة وما تتضمّنه من طاقات وإمكانات، تسهم في الارتقاء بتذوّق الأدب.

(1) - لمزيد من التّفاصيل ينظر مبحث «كيف نعالج النّصّ الأدبي»، كتاب مدخل إلى تحليل النّصّ الأدبي، ص:21 - 27. والدّكتور فتحي علي يونس، الدّكتور محمود كامل النّاقة، أساسيات تعليم اللّغة العربية، دار الثّقافة للطّباعة والنّشر بالقاهرة، 1977م، ص: 183 وما بعدها.

(2) - الدّكتور أحمد أبو حاقة،،البلاغة والتّحليل الأدبي، ط1، دار العلم للملايين بيروت، 1988م، ص:296.

(3) - المرجع السّابق، ص: 297.

٨٨ / ٣٣٣