مجلة الحياة العدد 17 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٤٥الشّروط المطلوبة في تنمية التّذوّق:
من هذه الشّروط:
1 - يذكر الدّكتور محمد علي أبو حمدة عنصرًا مهمًّا في حسن الإفادة من حاسّة التّذوق الفنّي. هو الحوار مع النّصّ حوارًا عميقًا واعيًا، أي إعمال الفكر في النّصّ، واستنطاق الكلمات والجمل فيه، ومعاينة العلاقات التي تربط أجزاءه، وتحليلها وتقويمها ونقدها … للظّفر بالجمالية والحسن اللّذين قد يتوفّران في النّصّ. هذا المعنى الحقيقي لمصطلح الارتقاء بالذّوق الأدبي أو مفهومه: « … إنّه بإذكاء الحوار مع النّصوص وحولها يكون ثمّة جدّة للنّصوص في عيون الرّائين والمتوسّمين. ولمّا كان التّذوّق النّقدي ذاتيًا في أوّله، فإنّ هذا التّذوّق حين تعطيه لغةُ الحوار أسباب التّواصل الفكري ومسوّغ الكينونة الشّرعية، يغدو في التّراث الفكري الذي يضيف إلى (أفقية) الرّؤية النّقدية أفقًا جديدًا، والذي يضيف إلى مستويات الاستشراف النّقدي مستوى جديدَا … إنّ الرّأي بالرّأي يفلح، وإنّ التّذوّق بالتّذوّق ليضيف إلى زاد العربية زادًا، فكيف إذا كانت العربية مادة الإسلام وكتاب الله تعالى … »(1).
إنّ هذا الحوار الذي يقدح به زناد الخاطر، ويسعف به الفكر، بمساعدة العوامل الفطرية التي يتوفّر عليها ذوو النّفوس الحسّاسة، والقرائح المخصبة، والطّبع الحاد … يقود إلى مواطن الحمال في النّصوص الأدبية، ومواقع الحسن في الآثار الفنّية. هذا المطلوب أو هذه العملية هي حقيقة التّذوّق، وهي الكفيلة بترقيته وتنميته، ويزيد للعربية قوّة في البروز والانكشاف الجميل ..
2 - إنّ الدّراسة الأدبية الجادّة المتجدّدة تعتمد على الذّوق المرهف؛ مستندًا إلى الثّقافة الواسعة الخصبة، مع التّدريب على طرق ممارسة التّذوّق. إنّ الثّقافة الواسعة شرط في إخصاب التّذوّق الأدبي.
3 - في سبيل تذوّق النّصّ الأدبي تذوّقًا جيّدًا لابدّ من قراءة النّصّ قراءة متأنّية واعية، والحرص على إدراك العلاقات النّحوية وتفحّص الأداء اللّغوي والدّلالات المركزية والهامشية للألفاظ .. أي القيام بمعالجة النّصّ الأدبي والتّحليل الفنّي له، كما يسيغه
(1) - الدّكتور محمد علي أبو حمدة، في التّذوّق الجمالي للآيات الثّلاثين: خواتيم سورة البقرة، مع تركيز الإضاءة على آيات الرّبا في النّسق القرآني الكريم، ط1، مكتبة الأقصى، عمّان، الأردن، 1410هـ/ 1990م، ص: 11، 12.