مجلة الحياة العدد 17 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٤٨نسج الدّكتور عدنان النّحوي الفقرة السّابقة بكلمات تبرز ما تتميّز بها اللّغة من جمال ورونق وبهاء، إلى جانب كونها وعاء للمضمون الفكري والاجتماعي وغيرهما. هذه الكلمات هي: «جرس اللّغة وموسيقاها، دقّة بيانها وبلاغتها، في تركيبها وأسلوبها … » يدلّ هذا أنّه لا يمكن معرفة كنه اللّغة وفقه حقيقتها إلاّ بالغوص إلى أعماقها، والولوج إلى داخلها؛ بركوب مطيّة التّذوّق الفنّي الجمالي. قال حافظ إبراهيم على لسان اللّغة العربية:
أنَا البَحرُ في أَحْشائهِ الدُّرُّ كامِنٌفَهَلْ سأَلُوا الغَوَّاصَ عَنْ صدَفاتِي؟
هذا يعني أن تدريس اللّغة ودراستها من الأفضل أن يتمّا عن طريق الأدب: لاستثارة الحسّ وتنميته، وتكوين الذّوق وإرهافه، لإعداد النّفوس لتدرك الجمال وتتملّى الحسن … إنّ الأدب في أحد تعريفاته: كلّ ما عبّر عن معنى من معاني الحياة بأسلوب لغوي جميل. فلابدّ من ركنين في مكوّنات الأدب: معانٍ تثير العاطفة والخيال، وألفاظٌ جميلة تؤدَّى بها هذه المعاني.
*- التّرابط بين اللّغة والأدب قويٌّ ومتين، والجمال عنصر مشترك بينهما. هذا الجمال يدرك ويكتشف ويُتملَّى بالتّذوّق.
*- الدّستور (القرآن) الذي صيغ بالفصحى لا يحذقه إلاّ الذين يحذقون العربية ويملكون ناصيتها.
*- «المضمون أو المعنى هو الفكرة السّابقة على الألفاظ؛ من حيث وجودها في ذهن الكاتب. واللّفظ البليغ هو الذي يبرز المعاني إلى الواقع المادي الملموس أو المتخيّل، وقد نسج تنوّع البيئة العربية الإسلامية وطول عمر الألفاظ وتنوّع التّجربة حالات من المعاني حول ألفاظ اللّغة، أخذت تتراكم مع مرور العصور، فأصبحت اللّفظة واسعة الأفق بعيدة المدى، وأصبحت كلّ لفظة تحمل أطيافًا من المعاني التي أغرم الموهوبون باستعمالها، والتي يسعى المتذوّقون إلى تلمّسها واكتشافها»(1).
*- غزارة المعاني التي تتضمّنها ألفاظ اللّغة العربية، وتراكمها عبر العصور المتعاقبة المتتابعة، تحتاج إلى الكشف عنها ونشرها، ثمّ فهمها واستيعابها والإفادة منها واستلهامها واستثمارها، وقبل ذلك إدراك ما تراكم في اللّفظة الواحدة من دلالات،
(1) - الدّكتور عبد القادر أبو ريشة، وحسين لافي قزَق، مدخل إلى تحليل النّصّ الأدبي، ط3، دار الفكر للطّباعة والنّشر والتّوزيع، عمّان، الأردن، 1420هـ/ 2000م، ص: 33، 34.