مجلة الحياة العدد 17 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٤٩توفّرت فيها بقوّة ما تملكه من طاقات وقوّة على السّكنى بداخلها. هذه القوّة وهذه الطّاقة اللّتان يمكن لهما أن تنفجرا عن معان كثيرة، ودلالات عميقة، لا تنكشف ولا تخضع إلا للفنّان الذي يحسن التّعامل مع اللّغة، ويجيد وسائل ترقية حاسّة تذوّقها، وتمرّسه على الأساليب التي وضعت فيها لتعبّر وتحبّر وتصوّر وتؤثّر … فالنّصّ السّابق أشار إلى المتذوّق الذي يسعى إلى تلمّس المعاني التي تتضمّنها اللّفظة واكتشافها، إذن إنّ للذّوق الأدبي دورًا كبيرًا في هذه العمليّة.
*- يقول الدّكتور عدنان علي رضا النّحوي: «فللغة العربية جمال متميّز من سائر اللّغات، إنّهجمال الوضوح والدّقّة في المعنى، وسائر أبواب الجمال الذي كشف عن يعضه العلماء المسلمون في تاريخ طويل. وسيظلّ الجمال متجدّدًا تتفتّح أبوابه مع الأيّام. ولا تنطبق قواعد الجمال في اللّغات الأخرى على قواعد جمال اللّغة العربية. فللّغة العربية جمال آسر هزّ جميع من درسها وعرفها. لقد هزّت الأدباء والشّعراء، وهزّت الشّعوب على مدى تاريخ طويل، وستظلّ تهزّهم إلى أن تقوم السّاعة.
ولقد تحدّدت مصطلحاتها اللّغوية، حتّى تستقرّ أحكام الإسلام وتشريعه على قواعد راسخة، وحتّى تستوفي اللّغة أسباب الوضوح والدّقّة والجمال. ولقد استقرّ مفهوم النّثر ومفهوم الشّعر، حتّى لا يختلط الكلام، وحتّى يتمايز كلام الله، وحتّى تستقيم المعاني»(1).
كلّ ذلك يبيّن أنّ للكلمة مكانة وقيمة في النّسيج الأدبي، ولها قوّتها في التّعبير الجيّد، والتّصوير الفنّي .. فما هي قيمتها في الاستعمال الأدبي؟
قيمة الكلمة في الاستعمال الأدبي
النّصّ يتكوّن من كلمات، والكلمة هي مجموعة أصوات، تتجاور فتؤلّف معنى، هذه الكلمات تكوّن تركيبّا، له دلالته الفكرية أو الوجدانية أو الفنّية … هذه الألفاظ لا تبقى محصورة في نطاقها الضيّق، من الدّلالة المعجمية، وخصائصها المحدّدة. بل قد تحمل دلالات أخرى وخصائص جديدة، بحسب ما يقتضيه الاستعمال. في هذا يقول الدّكتور أحمد أبو حاقة: «ولبس الأمر مقتصرًا على المعاني وحدها في تركيب الكلام، وإنّما
(1) - لماذا اللّغة العربية؟، ص: 41، 42،