مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٤١3– بما أنّ الألفاظ تتأثّر بالمعاني، بمعنى أنّ المضمون هو الذي يستدعي كلمات معيّنة، ينتقيها الفنّان المبدع لتعبّر عن حقيقة ما يتنبّاه من أفكار، أو ما يحمله من مشاعر، أي إنّ الكلمة هي رهن بالمعنى في بروزها، وتبوّئها مقعدًا أو مكانًا في سياق الجملة والنّصّ … فإنّ على الأديب أن يكون مرنًا في اختيار الكلمات والتّصرّف المبدع في رسم كلمات النّصّ، وبمعنى أفصح أن تكون الكلمات منحوتة من أفكار الأديب، ومصبوغة بمشاعره، لا تبقى في دائرة اللّغة المعجميّة، وأن تبرز آثاره الأدبية مطبوعة بطابعه الشّخصي: « … وإنّ هذه الألفاظ تتأثّر بالمعنى. وعلى الأديب أن لا يتشبّث بالوقائع كما هي فيسردها دون إضفاء شيء من نفسه عليها، أو دون استخراج الجمال الكامن في هذه الأشياء أو الأحداث، فإنّ تلوين الأفكار بأصباغ جمالية ونفسية له أثر كبير في تقدير النّقّاد والقرّاء، وهذا التّلوين يكون عن طريق التّصوير والخيال»(1).
يقول مصطفى لطفي: «والفرق بين العبقري وسائر النّاس أنّ هؤلاء يستخدمون اللّغة كما يجدونها، وكما وصلت إليهم. أمّا العبقري فإنّه يستخدم اللّغة لأداء ما توحي إليه عبقريته من أغراض خاصّة، ويشكّلها بالشّكل الذي يتلاءم مع مواهبه وإبداعه، وبهذا تتطوّر اللّغة إلى الأفضل، على يدي الشّخصيات الأدبية الخلاّقة والنّخبة الممتازة»(2).
إذا حصل الإبداع، وتمّ استثمار المواهب في التّجديد والتّطوير، وسخّرت العبقرية في كسر الجمود وتجاوز المألوف، واستغلّت الإمكانات والطّاقات في السّير بعملية الابتكار قدمًا … دبّت الحيوية في الأوساط، وتقدّمت الحياة وسارت بخطى ثابتة صحيحة نحو الأهداف المنشودة، بل تحقيق الغرض الأساس منها، وهو عمارة الأرض بما يتلاءم مع الظّروف والمستجدّات. فالأدب يخدم اللّغة بالفنّيات التي يمنحها لها، واللّغة تقدّم للأدب شحنات وقوّة ليتطوّر، بما يصنعه العبقري الذي يحسن التّعامل مع اللّغة؛ بما أشار إليه النّصّ السّابق. هذا التّناغم والتّرابط بين اللّغة والأدب في الأداء والبروز في فضاءات التّعبير والتّصوير والتّحبير يحصلان حين يكون هناك ذوق سليم، يدفع إلى حذق طرق الأداء وتحسين العمل. وهذا الذّوق يعمل كلّ من اللّغة والأدب على توفيره بينهما بشكل متداخل متبادل دومًا. هذا ما استوحيته من نصّ مصطفى لطفي.