مجلة الحياة، العدد 19 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٤٠

لها من إمكانات تصويرية … ليتمكّن من الملاءمة بين مشاعره الفيّاضة المتدفّقة، وأفكاره المتنوّعة المتداعية، وإيجاد الانسجام والتّناغم بين اللّغة المستعملة ومواقفه وأهدافه المنشودة بهذه اللّغة. وقد قيل: «إنّ الشّاعر الذي لم تسلم إليه اللّغة أسرارها لأعجز من أن تثير أيّ حالة شعورية»(1).

2– كي يرتقي الفنّان إلى مستوى مكانة اللّغة، ويوفّق إلى تحقيق وظيفتها: في الإفصاح عن المكنون من المشاعر، وبلوغ الغاية في نقل الأفكار إلى الآخر وغير ذلك … عليه أن يحذق كيفية استغلال كلّ صفة في اللّغة: تنوّعِ دلالاتها، وموسيقى ألفاظها، والظّلال التي تمدّها، والإيحاء الذي تمنحه للماهر في اللّغة، وذلك من خلال ما توفّره بانسجام حروف ألفاظها، ووَفق اتّساق كلّ لفظة بأخرى مجاورة لها، في نظم محكم بديع …(2) فالأدب أداة للكشف عن عالم الكلمة، ووسيلة لبيان غناها، والفنّان كما يقال: مطالب بالتّعامل مع الكلمة على أساس الكشف عن أسرارها وما تختزنه في أعماقها، وما يمكن أن تحمله من دلالات. ولهذا قيل عن الشّعر، (والقول ينطبق على الكتابة الفنّية بعامّة): «هو استكشاف دائم لعالم الكلمة، واستكشاف دائم للوجود عن طريق الكلمة، ومن ثمّ كان الشّعر هو الوسيلة لغنى اللّغة، وغنى الحياة على السّواء، والشّعر الذي لا يحقّق هذه الغاية الحيوية لا يمكن أن يسمّى شعرًا بحقّ … »(3).

إنّ الكلمة غنيّة، لكنّ غناها يبقى كامنًا، غير ظاهر، وغير متيّسر لكلّ النّاس الكشف عنها، وتكون للأديب القدرةُ على القيام بهذه المهمّة، هنا تبدو مسؤوليته كبيرة في هذه العملية. هذا ما يبيّن ويؤكّد – أيضًا - دور الأدب في إبراز حقيقة اللّغة، وفي الوقت نفسه يثبت دور الكلمة في البناء الفنّي للأثر الأدبي، فتكون الأدوار متبادلة ومتكاملة بين الأدب واللّغة.

(1) - ينظر يحي الشّيخ صالح، شعر الثّورة عند مفدي زكريّاء، دراسة فنّية تحليلية، رسالة ماجستير (مخطوطة)، معهد الآداب واللّغة العربية، جامعة قسنطينة، الجزائر، السّنة الجامعية: 1985م. ص: 347. طبعت الرّسالة سنة 1987م.

(2) - ينظر محمد ناصر بوحجام، أثر القرآن في الشّعر الجزائري الحديث (1925 – 1976م)،ج1، ط1، المطبعة العربية، غرداية، الجزائر، 1992م، ص: 128.

(3) - الدّكتور عزّ الدّين إسماعيل، الشّعر العربي المعاصر قضاياه وظواهره الفنّية والمعنوية، ط3، دار العودة، بيروت، 1981م، ص: 174.

١١٦ / ٣٤١