مجلة الحياة، العدد 19 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٤٣

يكون هؤلاء الإخوة قد أخذوا القميص الخارجي، وبقي قميصه الدّاخلي لاصقًا بجسده. فلمًا أن رأى يعقوب القميص الخارجي هو الذي عليه الدّم لم يصدّق أنّ يوسف قد أكله الذّئب، إذ كيف يأكل الذّئب يوسف بالكامل ولا يكون تقطيعه (الذّئب) لجسد يوسف وملابسه بالكامل؟ وهذا أعطى يعقوب انطباعًا أنّ قميص النّبوّة لم يمسّ بسوء. وإذن فيوسف والقميص الدّاخلي إنّما هما في مأمن وأمان. ولعلّ هذا ما يفسّر كيف أنّ يعقوب كان متأبِّيًا على كلّ الرّوايات التي قدّمت، وكان دائم التّطلّع إلى (عودة ظافرة) ليوسف والقميص أيضًا»(1).

تتبّع الدّكتور أبو حمدة الآيات التي وردت فيها لفظة (قميص) وبيّن ما تعنيه في سياق كلّ آية، وربط بينها والدّلالات التي تحملها. جاء القميص في معرض الإغواء والمراودة، فخرج يوسف بشخصية الرّجل المحافظ على خصائصه الفاضلة كما أراد النّسق القرآني أن يظهره. «لقد وجد يوسف نفسه يهمّ مقبلاً على المرأة، ثمّ فجأة ينتفض متأبِّيًا. فهل رؤية القميص الدّاخلي الذي يلامس جسده (قميص النّبوّة) قد أعاد إليه أمانة السّرّ مع يعقوب وإسحاق؟ يبدو أن لا شيء غير هذا. يُعزِّز هذا الاستنتاجَ دورانُ التّنويه بالقميص في حكاية الحكومة بين الخصمين، ثمّ حكاية البشير ورجوع البصر لدى يعقوب»(2).

سرد محمد علي أبو حمدة مجموعة أدلّة تبيّن بطولة (القميص)، الذي أبان عن شخصيّة يوسف عليه السّلام المتماسكة القويّة الأصيلة. ففي الآيات (26–28) دارت لفظة (القميص) أربع مرّات. يقدّم هذا دليلاً على الرّمزية التي يحملها، والتي تستوقف المتأمّل في النّصّ الأدبي بالذّائقة الأدبية، والمتدبّر في آي الذّكر الحكيم، وتسوقه لأن يستنتج شيئًا يكون مهمًّا يختفي وراء الكلمة (القميص)، ومعنى ينتظم ويسري في التّراكيب. «فهل دوران لفظة (القميص) أربع مرّات في هذا السّياق لا تعكس أهمّية منوطة بهذا القميص؟ إنّ الذي يعرف أساليب العرب في القول لا يعوزه كبير اجتهاد كي يتبيّن الدّور (البطولي) الذي خاضه (القميص) في هذه (المعركة الجانبية)، وخرج (القميص) هذه المرّة أيضّا (منتصرًا) فهل كان (القميص) الذي قُدَّ من دبرٍ هذه المرّة هو قميص النّبوّة صاحب السّرّ؟ أغلب الظّن أن نعم … »(3).

(1) - المرجع السّابق، ص: 37، 38.

(2) - المرجع السّابق، ص: 38، 39.

(3) - المرجع السّابق، ص: 38، 39.

١١٩ / ٣٤١