مجلة الحياة، العدد 19 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٤٤

في الآية: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَاتِ بَصِيرًا وَاتُونِي بِأَهْلِكُمُ أَجْمَعِينَ (93)﴾ (يوسف/ 93) وفي الآية: ﴿فَلَمَّآ أَن جَآءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمَ اَقُل لَّكُمُ إِنِّيَ أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (96)﴾ (يوسف/ 96).

يعلّق الدّكتور قائلاً: «وحين يتحدّث يوسف عن القميص هنا، فإنّما يتحدّث بصيغة بالغة الخصوصية. فهو يقول: (اذهبوا بقميصي هذا) وقوله (يوسف) قميصي، بإضافة القميص إلى ياء المتكلّم، ثمّ تأكيده باسم الإشارة (هذا) لهو في الدّلالة الكبيرة على أنّ هذا القميص يقوم الآن بدور (البطولة) وحسم النّصر لصالح معركة الحقّ. ولو لم يكن هذا القميص هو قميص النبوّة ما كان يوسف ليتحدّث بمثل هذه الثّقة بالنّتيجة في مثل قوله: ﴿فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَاتِ بَصِيرًا﴾ وقد حصل: ﴿أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾(1).

العثور على (اللّفظة المفتاح) مِنْ هدي التّذوّق الأدبي، والوقوف عليها في النّصّ الأدبي يساعد على فهم الدّلالات التي يحملها البناء اللّغوي للنّصّ، كما يعين على ربط أفكاره وأجزائه ببعضها، وفقه دور العلاقات التي تنتظمها، ومتابعة المآلات التي توصل إليها كلّ لفظة وكلّ تركيبة في النّصّ، كما يساعد في الحصول على الوحدة العضوية في النّصّ ..

هذا ما جسّده الدّكتور بما قرّره في ختام بسط الحديث والتّحليل لدلالات (القميص) لفظةً مفتاحية في النّصّ: «وهكذا يكون (القميص) قد قام بدور كبير من أدوار البطولة، وكان وراء تأمين الاتّصالات (اللاّسلكية) بين يوسف من جهة وبين يعقوب من جهة أخرى، عبر لغة (الشّيفرة) التي كان يسمع بعضَ مفرداتها إخوةُ يوسف، ولكنّهم ما كانوا يقدرون على حلّ مغاليقها وفكّ رموزها. وقد كان هذا (القميص) يقوم بتأمين الاتّصالات في حدود الإمكانات البشريّة وآفاقها المتاحة لها، من تأويل وفراسة وألمعية واستنتاج وقياس، من غير ما وحي وإخبار إلهي. وفي ذلك ما فيه من إلهاب المشاعر وتطهير العواطف ورياضة النّفس على الصّبر، وعلى التّرقّب، وعلى الاحتمال، وعلى

(1) - المرجع السّابق، ص: 29، 30.

١٢٠ / ٣٤١