مجلة الحياة، العدد 19 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٥٢

والاستقاء منه مضمونًا. يقول محمد المبارك: «والقرآن كالطّبيعة تلتقي فيه الحقيقة والجمال ويتلازمان، ويقابل ذلك التقاء الفكر والفن المعبّرين عن الحقيقة والخيال.

لقد تضمّن القرآن دعوة إلى تصوّر معيّن للوجود، وإلى سلوك طريق يتناسب مع هذا التّصوّر، ولذلك تجلّى الفكر القرآني في تصوير حقائق الوجود أوّلا، كما هي في واقعها؛ وفقا لنظرته الجديدة، ثمّ في الحقائق التي دعا إلى إيجادها وإنشائها، وصوّرها ليطلب إلى النّاس أن ينتقلوا إليها، وهي الحقائق الأخلاقية والسّلوكية»(1).

ما أشار إليه النّصّ هو فعل الفنّ والأدب. بهذا ندرك أنّ القرآن يتميّز نظمه بالطّابع الأدبي؛ لهذا يجب أن نجعله في المقدّمة في دراساتنا الأدبية، ونستمدّه منهجًا في التّحليل والتّذوّق الأدبي للغة العربية. ومن خلاله نرهف حسّنا نحو العربية، وندرك جمالها، ونعرف أسرارها، ونتقن التّعبير بها …

هذا نموذج من الأعمال التي استلهمت القرآن الكريم في الكتابة الفنّية، وفيه نقف على جانب الذّوق الأدبي. الشّيخ محمد البشير الإبراهيمي (1307–1384ه/ 1889–1965م) تهكّم من محمد العاصمي، الذي كان يراه أداة طيّعة في يد المستعمر الفرنسي، يسخّره كيف يشاء، وبعرفه حربًا عل جمعية العلماء المسلمين الجزائريّين بخاصّة، والمصلحين بعامّة. « … ما أشأم العاصمي على نفسه! فقد سكتنا عنه فأبى، بعد أن جارانا فكبا، وما تحدّثنا عنه في الماضي إلاّ باعتباره أداة لا شخصًا، وما سكتنا عنه بعد ذلك إلاّ لأنّنا أوسعنا تلك الأدوات تحطيمًا وتهشيمًا، ورُغنا عليه ضربًا ياليمين، ولكنّ هذا الرّجل (المصنوع)، يأبى علينا إلاّ أن نعتبره شيئًا قائمًا بذاته، ولذلك فهو لم يسكت لمّا سكتنا، وتمادى على السّبّ والشّتم، ليشغل العاملين بهذا الفراغ … وقديمًا فهمنا أنّ له أربًا في اللّجاج والمراء، لأنّ هذه الطّريقة هي التي تظهره وتقرّبه زلفى إلى آلهته، وهل لشركائه مثل رأيه، حتّى يعرّضهم لما كانوا منه في أوسع عاقبة؟ أنّه لهم مولى شؤم وعشير سوء، لبئس المولى ولبئس العشير»(2).

(1) - دراسة أدبية لنصوص قرآنية، ص: 93، 94.

(2) - محمد البشير الإبراهيمي، عيون البصائر، دار المعارف، القاهرة، 1963م، ص: 144، 145، الفقرة من مقال للكاتب: «أهذه هي المرحلة الأخيرة من قضيّة فصل الحكومة عن الدّين؟»، نشر في جريدة البصائرالثانية (جمعية العلماء المسلمين الجزائريّين)، ع: 139 (29/) 01/ 1951م).

١٢٨ / ٣٤١