مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٥٨ما قاله وهذه هي الخلافة على التحقيق»(1) وتثير هذه المقدمة التي اعتمدها القرضاوي في مستهلّ حديثه عن شروط الإفتاء عدّة إشكاليات فالرّجل جعل المفتي في مقام أسطوريّ لا يستجيب لمعطيات التاريخ، ولئن توارى صاحب الفتوى وراء الشاطبي فإنّه عمل قصارى جهده على إعادة الاعتبار للمفتي كما رسم معالمه التقليد الإسلامي بصفة عامة والسنّي بصفة أخصّ فجعله قريبا من درجة الأنبياء قائما مقامهم وصيّا على الشريعة فهيما لمقاصدها وأحكامها، بل هو ممثّل لله في الأرض يوقّع باسمه ولذلك «اعتبر أبو عبد الله ابن القيم المفتي موقّعا عن الله تعالى فيما يفتي به»(2).
ولعلّ أخطر ما جاء في استهلال القرضاوي اعتباره ـ على لسان الشاطبي ـ المفتي «شارعا، واجبا إتباعه، والعمل على وفق ما قاله»، ولئن كانت مسألة إلزامية الفتاوى محلّ خلاف فإن القرضاوي انتصر لأقلّ الآراء رواجا ممّا يجعل للمفتي سلطة تنفيذية إجرائيّة تناهز سلطة القاضي والحاكم، ولعلّه بذلك يشرّع لما نتج عن تطبيق فتاوى فاسدة أضرت بالبلاد والعباد، من قبيل إراقة الدماء أو سلب المال بموجب التكفير أو التفسيق. ولقد تناول ابن الصلاح هذه المسألة في إطار حديثه عن شرطي الحرية والذكورة بما هما شرطان من شروط الإفتاء فذهب أنّه «لا يشترط في المفتي الحرية والذكو رة وينبغي أن يكون كالراوي … فالمفتي في حكم من يخبر عن الشرع بما لا اختصاص له بشخص وفتواه لا يرتبط بها الزام بخلاف القاضي»(3)، وكأنّ ابن الصلاح كان يعي جيدا أنّ مؤسسة الإفتاء لا يجب أن تتجاوز البعد الأهليّ الاستشاري، إذ يستشير أحدهم رجل دين فيرشده بما يراه أصوب دون أن يلتزم المستفتي بما قال المفتي، ولذلك يمكن للمستفتي أن يتحوّل من مرجع فقهيّ إلى آخر وأن يرجح بين رأيين أو أكثر على سبيل «التبعيض» أو «التلفيق».
وإذا تحوّل المفتي إلى صاحب قرار إلزامي يتوجب على المقلّد السائل العمل بموجبه فإنّ الفوضى ستعمّ وسينتشر الخراب والاضطراب، وهذا ما نلحظه بجلاء في عصرنا
(1) ـ اعتمدنا النصّ المنشور رقميا في وموقع «رسالة عمّان»: http://ammanmessage.com
(2) ـ فتوى القرضاوي، ن، م
(3) ـ تقي الدين عثمان بن عبد الرحمان ابن الصلاح، آداب المفتي والمستفتي، عالم الكتب، بيروت، تحقيق: موفق عبد القادر