مجلة الحياة، العدد 19 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٥٩

الحالي إذ تصدر فتاوى غريبة هنا وهناك بتكفير أحدهم أو ضرورة مقاطعة مجموعة دينية أو إثنية فيهرول بعض المتديّنين السذج لتطبيقها وإقامة حدودها وكأنّها قانون فوق القانون أو دولة داخل الدولة ممّا يضرّ بمقوّمات السلم الاجتماعي. وعلى هذا الأساس نعتبر أنّ تحويل الفتوى من خطاب استشاري إلى خطاب إجرائي إلزامي يعدّ معوّقا حقيقيا يحول دون التقريب بين المسلمين ويكرّس سلطة رجال الدين دون غيرهم من العلماء والمثقفين، ولقد تنبّه حسين محمّد الملاح إلى دور مقولة «إلزامية الفتاوى» في تكريس سلطة الإفتاء الفردي فخصّص مبحثا في كتابه عنوانه «خطورة الإفتاء الفردي في عصرنا الحالي وأهمية الإفتاء الجماعي»، نبّه فيه إلى سلبيات إفتاء «الفرد» في زمن تشعبت في المعارف، وحذّر الناس من تحويل الفتاوى إلى سلوكات اجتماعية دون تمحيص وتدبّر إذ «لا يجوز للمستفتي العمل بالفتوى بمجرّد صدورها من المفتي إذا لم تطمئن نفسه وحاك في صدره من قبوله لقوله صلى الله عليه وسلّم «استفت نفسك وإن أفتاك الناس وأفتوك(1)»(2)

وجدير بالذّكر أنّ علماء السنّة اعتمدوا نفس التعريف للمفتي وبوّؤوه مكانة عاليّة، وفي هذا الإطار يتنزّل تعريف محمد الحبيب بن الخوجة الذي اعتبر «المفتي هو المتمكّن من إدراك الوقائع ومعرفة أحكامها الشرعية بالدليل من غير معاناة مع حفظه لأكثر الفقه .. فهو وارث علم النبيّ وموقّع عن ربّ العالمين يبيّن أحكامه ويطبّقها على أفعال الناس»(3)، وهو من منظور معاصر يحتكر كلّ السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وينفّذ سلطان الربّ دون خلل أو زلل، وبهذا المعنى رأى الطنطاوي أنّ «كلمة المفتي تطلق على كلّ من يردّ على أسئلة النّاس ردّا صحيحا نابعا من كتاب الله تعالى وسنة رسوله محمّد صلى الله عليه وسلّم، ومن العلم الصحيح» ولا ندري ما ذا يقصد صاحب الفتوى بصحّة ردّ المفتى والحال أن الاجتهاد نسبيّ وظنّي الدلالة، فكيف بالظنيّ يتحوّل قطعيا وكيف بالنسبيّ يستحيل حقيقة لا شكّ فيها؟.

(1) ـ الحديث أخرجه الدارمي في البيوع (2/ 696)، ورواه أحمد في مسنده (4/ 311 حيث رقم 17966)

(2) ـ الملاح، م، س، ص 776

(3) ـ فتوى ابن الخوجة، أعمال الندوة

١٣٤ / ٣٤١