مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٦١الحقيقي» فإذا هو «العالم الحقيقي الذي درس علوم القرآن وعرف آيات الأحكام واتبع علم سنة سيد الأنام وعرف مقاصد الشرع وعرف بالتقوى والورع في دينه … »(1).
ولئن توقف بعضهم عند مفهوم الفتوى لغة واصطلاحا(2) فإنّهم جميعا تجنّبوا التعرّض لمستويات الفتوى وعلاقتها بأقوال المفتي وأعماله في الآن ذاته، ولا نبالغ إذا اعتبرنا عدم تماثل أقوال المفتي مع أفعاله من أهمّ أسباب الأزمة التي يعيشها الإفتاء اليوم والتي تتمثّل أساسا في اهتزاز الثقة بين أصحاب الفتاوى «الشرعيين» كما يسمون أنفسهم ومقلديهم من عامة الناس، والمتتبع لتنظيرات القدامى لمسألة الإفتاء يلاحظ هذا التركيز على البعد العملي السلوكي، ولقد خصّص المالكي مبحثا في كتابه يتعلّق بـ «الفتوى بالقول والفتوى بالفعل» ذهب فيه أنّ «الفتوى من المفتي كما تحصل من جهة القول … كذلك تحصل من جهة الفعل»(3).
نلاحظ أنّ مختلف الفتاوى التي نشتغل عليها تحاول أن تعيد بناء صورة المفتي بعد أنّ أفسدت معالمها موجة من الفتاوى الموازية (فوضى الإفتاء) التي استطاعت أن تستقطب العامة وأن تؤثر في سلوكهم. هذه العملية الإصلاحية (بمعنى إصلاح ما فسد) ارتبطت من جهة بالتأكيد على سلطة المفتي وهي سلطة متعددة الوجوه تمسّ العقيدة والأخلاق والمجتمع والسياسة ونفسيّة المستفتي وتوجّه سلوكه توجّها قد لا يتماشى مع قواعد العيش المشترك والحوار والتقريب، ولذلك نعتبر ما حصل في الفتاوى من انزياحات على مستوى تعريف «المفتي» و «الإفتاء» وترسّخ مكانتهما الريادية يؤثر سلبا في مشروع التقريب بين المذاهب الإسلامية ممّا يحتّم علينا مراجعة المفاهيم المعاصرة للإفتاء وخاصّة ما تعلّق منها بمبدأ «الإلزامية».
2/ ضوابط الإفتاء وشروط المفتي
يمكن التمييز بين ثلاثة أنواع من الشروط اعتبرها القدامى ومن جاراهم من المحدثين ضوابط ملزمة للتصدي للإفتاء وعمل أصحاب الفتاوى على ترسيخها: الشروط العلمية، الشروط الأخلاقية، الشروط الخلقية ويمكن الاستعانة بالجدول التالي لتبين ذلك.
(1) ـ فتوى الوزير، ن، م
(2) ـ كما هو حال أحمد الخليلي الذي ذهب أنّ «الإفتاء لغة بمعنى الإبانة وفي الاصطلاح … الشرعي هو إبانة حكم الله تعالى في قضية ما … ».
(3) ـ الملاح، م، س، ص49