مجلة الحياة، العدد 19 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٦٠

ولئن تداخل تعريف المفتي بمؤسّسات أخرى لها حضورها في المنظومة الإسلامية من قبيل «القاضي» و «الفقيه»(1) فإنّ جلّ المفتين أدرجوا «المفتى» ضمن خانة المجتهد، وهذا ما استخلصه التسخيري في نهاية ردّه إذ قال «وخلاصة الأمر يجب أن يكون مجتهدا حتى يمكن أن يفتي النّاس»(2) وسانده في ذلك بقية علماء الشيعة الإثني عشرية إذ ماثل السيستاني بين المفتي و «المجتهد الجامع لشرائط التقليد المذكورة في الرسالة العملية»(3) وهذا التعريف ضيّق من مفهوم المفتي بما هو مجتهد ليحصره في مجتهدي الشيعة فحسب، وهذا التضييق نرصده بجلاء أكثر عند إسحاق الفياض الذي حصر المفتي في المجتهد الذي «مارس الدراسات الإسلامية» في فترة «لا تقلّ عن ثلاثين أو أربعين سنة بجد وجهد وتفهم في الحوزات العلمية كالنجف الأشرف ونحوه»(4)، فهل يعني ذلك أن من لم يتلقّ دروسا في إحدى الحوزات العلمية الشيعية لمدّة تتجاوز ثلاثة عقود أو تزيد لا ينسحب عليه تعريف «المفتي»؟ وهل يعني ذلك أيضا أنّ من لم يرتق إلى رتبة مجتهد مرجع بعد مناقشة «رسالته العملية» لا تشمله مؤسّسة الإفتاء؟

إنّ هذا التضييق المذهبيّ في مفهوم «المفتي» لا يساعد على التواصل الحقيقيّ بين المسلمين ولا يسهم في بناء رؤية إسلاميّة موحّدة تخصّ الإفتاء وقضاياه، لأنّه يقوم أساسا على الإقصاء، ولا يمكن التقريب بين المذاهب الإسلامية إلا من خلال استحضار الآخر الأدنى(5) فكرا ومفهوما، وكأنّ الافتاء بهذا المعنى يعبّر عن حاجة مذهبية لا غير.

ولنا أن ننبّه أنّ «فتاوى الفتاوى» جاءت أساسا لتميّز بين ضربين من المفتين، أوّلهما حقيقي تنطبق عليه المواصفات التي أقرها التقليد وأثبتها أصوليو كلّ مذهب، أمّا الضرب الثاني فيشمل المفتين «المزيفين» كما يصفهم خصومهم الذين لا يستجيبون لتقنينات المقننين ولا يسرون فيما حدّد لأهل الإفتاء من مسارات، وعلى هذا الأساس حاول إبراهيم بن محمد الوزير (أحد زعماء الفكر الشيعي الزيدي باليمن) أن يضبط معالم «المفتي

(1) ـ يعرّف على جمعة المفتي بأنّه «الفقيه الذي يستنبط الحكم الشرعيّ من الدليل، فهم القائم بعلم الفقه تطبيقا».

(2) ـ فتوى التسخيري، أعمال الندوة عن بعد www.ammanmessage.com

(3) ـ فتوى السيستاني، ن، م

(4) ـ فتوى الفياض، ن، م

(5) ـ نقصد بالآخر الأدنى كلّ مسلم مهما كان مذهبه أو فكره

١٣٥ / ٣٤١