مجلة الحياة، العدد 19 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٦

الأساسُ المتينُ الثابت في عمليَّة الخلق يرتكز عليه البناء الوجودي في كلٍّ من عالمي الغيب والشهادة، ولذا كانت الدعوةُ إلى الله هي في مقصدها الأعلى تجميعُ الخلق وتثبيتُهم في نشاط حياتهم حول محور ذلك الميزان، مصداقًا لقوله تعالى ﴿لَقَدَ اَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾(1).ولمَّا كانت مهمَّة الدعاة إلى الله من مهمَّة الرسل في التعليم والإرشاد والتوجيه، وكان لذلك ميزانه العدل عند الله بما أنزله من الوحي، وما شرعه من الأحكام، كانت الصِّفةُ الأساسيَّة للداعية في القيام بواجبه الدعويِّ في نظر الداعية المحنَّك الناجح «فتح الله كولن» هي الثباتُ في سلوكه، وذلك لأنَّ للدعوة الحقَّة ميزانها القويم العادل لتقييم الأوضاع، والتمييز بين الشرِّ والخير، وبين الحق والباطل، ولأنَّ واقع الحياة وسنَّة الابتلاء فيها هو مِمَّا يقتضيه التكليف الربَّاني لهذا الإنسان، كلُّ ذلك يُفرز مزيجًا من التناقضات، وحجمًا كبيرًا من التراكمات الملوِّثة لفطرة الإنسان، فتلتبس به الأحوالُ وتتنازعُه الأهواء، فلا يكاد يأنَسُ رشدُه إلاَّ بأن يُسَخِّر الله من يأخذ بيده من أولئك الدعاة إلى الله، ممَّن يمتازون بالتوازن في تفكيرهم، والثباتِ في سلوكِهم، بحيث يمتلكون المرجعيَّة الرَّاسخة الثابتة لأقوالهم، عندما تتهافتُ الأصواتُ، وتتعدَّد المشاربُ، وتتزاحم التوجُّهات.

والثباتُ قيمةٌ خُلقيَّة لا تتوفَّر لإنسانٍفي طبيعة سلوكه، إلاَّ إذا كان يستند إلى أصولٍ ثابتةٍ هي الأخرى في مجال المعتَقد الصحيح، الذي يجسِّده سُلوكٌ قويمٌ لا تُناوِئُه النزعاتُ الجسديَّةُ الشهوانيَّة، ولا تُغالِبُه الرَّغباتُ النفعيَّة الآنيَّة.

ولمَّا كان الداعيةُ إلى الله في مقام النبوَّة لمن يدعوهم، كان لزامًا عليه أن يتحصَّن بخلُق الثبات مهما تغيَّرت الأوضاع، ومهما طوَّحت بالخلائق الرغبات والأطماع. ألم تر كيف أشاد الله بهذه الصفة الخلقيَّة في القرآن الكريم، وجعلها سبيلاً إلى النجاح الدنيويِّ والأخروي، فقال عزَّ من قائل في تحقيق النجاح الدنيويّ

(1) - سورة الحديد: الآية 25.

١٥ / ٣٤١