مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٤٣المتراسلَين ليس من حق الباحث البوح به. قلت، مع ما سبق فإننا رأينا أن نجتزئ في هذا العدد مقطعًا آخر من رسالة الشيخ أبي إسحاق، ومقطعا من ردِّ الإمام الشيخ بيُّوض عليه. فكان هذا المقام الرابع الذي ينبري فيه الشيخ بيُّوض للردِّ على شبهتين كادتا تنطليان على الشيخ أبي إسحاق، أولاهما: أنَّ الشيخ بيُّوض بدخوله المجلس الجزائري قد استأمن الولاة العسكريين وانخدع بوعودهم، وأنَّه لا يفقه لغة الاستعمار ومراوغاته! والثانية: أنَّوجود ممثل لميزاب في المجلس الجزائري يقوِّض معاهدة الحماية بما يهدد الميزابيِّينبذوبان هويتهم الدينية والاجتماعية وضياع حقوقهم السياسية.
وإذ نعرض في هذا الموضوع ردَّ الشيخ بيُّوض، فإننا ننبه القارئ الكريم إلى مسألة مهمَّة، وهي أنَّ من المسلم به في علم التاريخ أنَّ أحداث التاريخ ووقائعه لا تُحاكَم بطريقةٍ رجعيَّة؛ معنى هذا أنَّ فهم النصوص التاريخية وطبيعة المواقف والآراء الواردة فيها ينبغي أن يتمَّ فيالإطار الزمني والتاريخي الذي حدثت فيه، لا وفق تصوراتنا ومواقفنا وآرائنا وقناعاتنا الراهنة؛ وعلى سبيل المثال فإن مفاهيم: «الوطن الجزائري الموحَّد» و «التراب الوطني» و «مسألة الكفاح المسلح» وحتى مسألة «الاستقلال عن فرنسا» كلُّها مفاهيم لم تنضج بعد وتتبلور عند عامَّة الجزائريين قبل فترة الخمسينيَّات، فاعتبارُ الجزائريِّ في بلاد القبائل أنَّ وطنه هو تلك الأرض يفديها بالغالي والنفيس، أوتعبير الفرد من «أولاد نائل» أو «ميزاب» عن قومة «بالأمَّة النايلية» أو «الأمَّة الميزابية» و «الوطن الميزابي» أو «أرض الطوارق» «وبلاد الزيبان»، وغيرها لا يُفهم منه التعصُّب للطائفة أو الانتماء الجغرافي الجهوي، بل هو شعور محمود بالانتماء، سابقٌ للشعور بمفهوم الوطن الجزائري الموحَّد، هذا الشعور الحديث الذي تبلور مع قيام الثورة التحريرية، وتجسد أكثر بعد الاستقلال.
ويبقى أن نذكِّر بأنَّ المقتطف المتناول في هذا الموضوع يعدُّ جزءًا من الرسالة الطويلة التي نأمل أن تُدرس بتأنٍّ وحكمةٍ وعُمق، مع وثائق أخرى للشيخ بيُّوض رحمة الله عليه، تُبرز للأجيال شخصية هذا الرجل: مُصلحًا، ومجاهدًا، ووطنيًّا، وزعيمًا سياسيًّا مُحنَّكًا، مُخلصا لميزابيَّته، وفيًّا لجزائريَّته، معتزَّا بإسلامه، متواضعًا لإخوانه …