مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٥٧( … ) إنَّنا ـ والله الذي لا إلاه إلاَّ هو ـ لا نعرفُ في التاريخ انخداعًا بالترَّهاتِ، ولا سعيًا على غير هُدى وراء الخيالاتِ والأطيافِ والأباطيل، ولا اغترارًا بالسراب وزخرُف القول وأضغاث الأحلام، مثل هذا الذي ابتُليَت به هذه الطائفةُ التي ابتليت أمَّتنا العزيزةُ المسكينة بزعامتها وقيادتها! يطرَبُون للمدى المشحَّذة(1) للإجهاز عليهم، ويرقصون على نغمات أوداجهم المغرية وهي تَشخَبُدمًا(2)، أسكرتهم حتَّى أفقدتهم الوعي والرشد كلماتُ «الحماية» و «الاستقلال الداخلي» و «التمتُّع بإدارة الشؤون» … ألفاظٌ لا معنى لها، وأوهامٌ لا حقائق لها، وإلاَّ فأين هي الشعرةُ البيضاءُ من جلد الثور الأسود(3) التي بقيت بأيديهم يتصرَّفون فيها كما يشاؤون؟
( … ) كبُرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلاَّ كذبا ( … ) كتبوا هذا إنَّما كتبوه في نفس الأيَّام التي مدَّت فيها الإدارةُ يدها بأفظع صورة إلى حرمٍ آمنٍ مُقدَّس كنَّا نظنُّه ملجأً أمينًا؛ حرَمُ المسجد؛ فقادت جماعةَ عزَّابة بريان وعلى رأسهم الشيخ عبد الرحمن(4)، بغطرسةٍ وجبروتٍ إلى قفص الاتِّهام، فأجرت التحقيق معهم في
(1) -السكاكين الكبيرة الحادة المخصَّصة للذبح.
(2) -شَخَبَ اللبنُ: خَرَجَ مِنَ الضَّرْعِ مَسْموعاً صَوْتُهُ، وشَخَبَ الدَّمُ مِنَ الجُرْحِ: اندَفَعَ بِصَوتٍ مسموعٍ، «يُبْعَثُ الشَّهِيدُ يَوْمَ القِيَامَة وَجُرْحُهُ يَشْخَبُ دَمًا».
(3) -إشارة إلى حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي رواه البخاري في صحيحه عن عبد الله ابن مسعود، قال: «كنا مع النبي في قبة، فقال: «أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة». قلنا: نعم، قال: «أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة». قلنا: نعم، قال: «أترضون أن تكونوا شطر أهل الجنة». قلنا: نعم، قال: «والذي نفس محمد بيده، إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة، وذلك أنَّ الجنة لا يدخلها إلاَّ نفسٌ مسلمة، وما أنتم في أهل الشرك إلاَّ كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأحمر». صحيح البخاري – رقم الحديث: 6528.
(4) -الشيخ عبد الرحمن بن عمر بكلي، الشهير بالبكري؛ من أشهر شخصيات وادي ميزاب في العصر الحديث، من مواليد العطف يوم 03/ 10/1900، خريج جامع الزيتونة بتونس، متكون في الثقافتين العربية والفرنسية، عيِّن عضواً في لجنة صياغة القانون الأساسي لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين. من المؤسسين لجمعية النهضة في العطف، وجمعية الفتح ببريان. شارك مشاركة فعَّالة في العمل السياسي والتنظيمي الثوري، فألقي عليه القبض عام 1957م، هو ورفيقه الشهيد باسليمان إبراهيم لمنوَّر، الذي قتل تحت سياط التعذيب. بعد الاستقلال عين عضوًا في المجلس الإسلامي الأعلى، وتولى رئاسة مجلس عمي سعيد بميزاب في بعض فتراته. خلَّف ما يناهز خمسين عملا بين تأليف وتحقيق وترجمة، بعضها مطبوع وأكثرها مخطوط، ناهيك عن عشرات المقالات المهمَّة التي كان يوقِّعها باسم (البكري) في صحف أبي اليقظان. توفي في بريان يوم الاثنين 13/ 01/1986. تُنظر ترجمته الكاملة في: جمعية التراث: «معجم أعلام الإباضية»، (قسم المغرب)، ج3، ص: 521 ـ 529.