مجلة الحياة، العدد 19 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢٥٦

الجماعة البلديَّة بغرامة الدور الجديدة، ومن وراء هذا كلِّه إنشاءُ مصحَّة واسعةٍ للقرية بثمنها، قد كتبنا كلَّ هذا وبسطناه، فوالله ما أُذِنَ لنا حتَّى الساعة(1)!

وقد أُصِبنا بالقرارة بكارثة من الجدب والجفاف، هلك بها الزرعُ والضرع، وماتت آلافُ النخيل والأشجار، وقد عزَّ ماء الشراب، وإنَّ ما أنفقه بعضُ المحسنين في شهر رمضان خاصَّة لتسهيل سقي الماء للشرب يتجاوز مائتي ألف فرنك! وإنَّنا منذ شهورٍ نُطالب الإذن في حفر عينٍ لإنقاذ الأمَّة من الهلاك، وحفظ ما تبقَّى من نخيلٍ يُسَدُّ به رمق الحياة، بمالنا الخاصِّ ووسائلنا الخاصَّة، وقد أعددنا للأمر عُدَّته من نقابةٍ قانونيَّة، ومالٍ وجاهٍ وأعوانِ الحكومة، فشاهدوا خطر الحالة واعترفوا بوجوب الإسراع إلى الإنقاذ، فوالله ما حصلنا على إذنٍ حتَّى كتابة هذه السطور! وليست الإدارةُ ولا الحكومةُ مُنفقةً على هذا ولا ذاك درهمًا ولا دينارًا، ولسنا بِمُرزِئيها شيئًا، وإنَّها مع ذلك لَمانعةٌ، ولسنا بمستسلمين أو ننال!

هذه هي الحماية! وهذا هو استقلالُميزاب الداخلي! وهذا هو تمتُّع الأمَّة الميزابية بإدارة شؤونها بنفسها، اجتماعيًّا وسياسيًّا كما يقول سادتُنا الجامدون! لا والله، ما نعرف شيئًا بقي أمرُه بيد الأمَّة في ميزاب. ولقد تحدَّينا الأمَّة بهذا في اجتماعاتٍ ضمَّ بعضُها بضعةُ آلاف، فما واحدٌ منهم استطاع أن يذكُر شيئًا واحدًا. ولقد قلنا لهم: إذا كنتم مُستقلِّين استقلالاً داخليًّا، وكنتم تتمتَّعون بإدارةِ شؤونكم الداخلية بأنفسكم فما لهذه الحانات؟ وما لهذه المواخير؟ وما لهذه المقامر؟ وما لهذه السيول المتدفِّقة نحو واديكم؟ وما لهذه السدود المضروبةِ دون التعليم والتعمير والإنشاء والإصلاح الاجتماعي والاقتصادي؟ فلا حركة ولا سكون إلاَّ بإذنٍ، والإذنُ بين ماضِغَيْ أسَدٍ أو في منقارِ عَنقاء(2). أم ترون أنَّ هذه شؤونٌ خارجيَّة؟ فما الداخلية؟ أإيواؤُكم إلى فُرُشِكُم وإفضاؤُكم إلى نسائكم، أم ماذا!؟

(1) -تتجلى في هذه المقاطع شخصية الشيخ بيوض الزعيم القائد المحنك، والتي عز مثيلها، وفيها يظهر اهتمامه بكل جوانب حياة أمَّته وقومه؛ اقتصاديًّا واجتماعيَّا وصحيًّا ودينيًّا وأخلاقيًّا … رغم عراقيل السياسة الاستعمارية الفرنسية وتعقيداتها.

(2) -العنقاء: طائر خيالي أسطوري، ويضرب هذا المثل للأمر المستحيل استحالة استرجاع شيء من منقار هذا الطائر الخيالي.

٢١٥ / ٣٤١