مجلة الحياة، العدد 19 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣١٣

الشاب: ما دخلت في مجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلاَّ وأحبُّ شيء إليَّ الزنا فما قمتُ من عنده إلاَّ وأبغضُ شيء عندي الزنا(1). ولم يكن الشاب في نظري إلاَّ مُعربا عن أثر دعاء الرسول له، وعن أثر ذلك الحوار وبلوغه مبلغه في نفسه. قال الدكتور محمد المعمري معلِّقا على الحديث: «وهكذا فتح رسول الله للشاب ذهنه وبصيرته على معانٍ كان من فرط جهله قد غفل عنها، هكذا بتربية رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلو قوبل ذلك الشابُّ بالغلظة وبالفظاظة، وفتك به الصحابة الذين كانوا يغارون على حدود الله جلَّ وعلا، لكان هذا الشابُّ له شأنٌ آخر، ولكن الرحمة والشفقة والمعاملة الطيبة، والجدال بالتي هي أحسن، وبالتدرُّج في بيان الطريق المستقيم، كان لكلِّ ذلك أثره الطيب في نفسية ذلك الشاب»(2).

وأختم القول بأنَّ الشواهد على قيمة الحوار وأهميته كثيرة، والأهم في الموضوع أن يوطّن الإنسان نفسه على ثقافة الحوار، إذ هو فنٌّ حضاريٌّ يدلٌّ على رفعة قدر صاحبه وحصافته ورجاحة عقله، على أن هذا الأمر مطلوبٌ في هذا العصر أكثرَ من أيِّ عصرٍ مضى، هذا العصرِ الذي اندثرت فيه لغةُ الشدَّة والعنف في التربية وفرْض الآراء، لأنَّها لم تعُد مجديةً، وحلَّت محلَّه لغة الإقناع بالحجة والبرهان والنقاش العلمي الدقيق الرفيق، فحريٌّ بساسة المجتمع وقادته وبكلِّ مسؤول عن رعيَّته بدءًا من الأسرة، وانتهاءً عند رئاسة الدولة، أن يعوا هذه الحقيقة حقَّ الوعي، فيفتحوا قنواتِ التواصل والحوار، والتي بدورها تُفعِّل كلَّ طاقات المجتمع بكل عناصره ومكوّناته، شيبا وشُبّانا، ذكورا وإناثا. ولن يكون لهذا التواصل من معنى إذا لم نتَّخذ من مقولة الإمام الشافعي «رأيي صوابٌ يحتملُ الخطأ ورأيُ غيري خطأٌ يحتمل الصواب» دستورًا لنا، فيعضُدُ بعضُنا بعضًا فيما اتَّفقنا فيه، ويعذُرُ بعضُنا بعضًا فيما اختلفنا فيه، كيف

(1) - محمد المعمري، أدب الدعوة، ص14 (المكتبة الشاملة).

(2) - المرجع نفسه، ص14.

٣٠٥ / ٣٤١