مجلة الحياة، العدد 19 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣١٢

هاتين الآتين قولُ النبي عليه الصلاة والسلام: «الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ»(1)، وقول الشاعر الحكيم وهو يدعو إلى اللين اللطافة في التعامل:

كن ليِّنًا في النَّاس واحذَر أن تُرى فَظَّ الطبيعة إنه لم يَحْسُنِ

وانظُر إلى الأكحالِ وهي حِجَارَةً لانَت فصَارَ مَحَلُّها في الأعْيُنِ

وكفى دليلا على أهمِّية الحوار وقيمته محاورةُ المولى عز وجل لإبليس اللعين، فرغم تكبُّره واستنكافه عن طاعة أمر الله في السجود لآدم عليه السلام، إلاَّ أنَّ الله لم يحْرِمه فرصةَ الحوار والإبانة عن سبب العصيان، بل أكثر من ذلك، فقد أجاب طلبه في أن يُنظِره إلى يوم البعث، وهكذا يعلِّمنا ربُّنا أن لا نُقصيَ أحدًا من دائرة الحوار مهما قبُح عملُه وسمُج، لأنَّ الحوار كقيمة إنسانيَّة فوق كلِّ انتماء واعتبار.

إنَّ للحوار في أدبيات العلم الحديث مكانَه وموقعَه الرفيع، ألا ترون معي أنَّ العلاج الطبيَّ نفسيًا كان أم عضويًّا يحتاج إلى فن الحوار احتياج المريض للدواء، إذ أولى له الباحثون في المجال النفسي وفي أساليب التربية كلَّ اهتمامهم، كما أصبح هذا الفن من معايير القبول في مؤسَّسات التوظيف، وبخاصَّة التسويقيَّة منها، كما يعتبر معيارا أساسا للنجاح في مسابقات الدكتوراه والتعليم. وما الحوار في حقيقته إلاَّ استعمال لنعمة اللسان فيما وُضعت له كالكلام الطيب، والذكر، والإصلاح بين الناس، ومبادلة الخبرات، فلا يخرج الحوار في أهدافه عن هذه الأغراض النبيلة، وما أروع ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك الشاب الذي قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متلهفا يستأذنه في الزنا، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أترضاه لأختك، فقال: لا، فقال عليه السلام: كذلك الناس لا يرضونه لأخواتهم، ثم قال له: أترضاه لأمك، قال الشاب: لا، فقال له: كذلك الناس لا يرضونه لأمهاتهم، ثم وضع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلَّم يده على قلب ذلك الشاب ودعا له»(2)، فيقول ذلك

(1) - متفق عليه.

(2) - الحديث مروي في مسند أحمد، رقم 22112، 16/ 236.

٣٠٤ / ٣٤١