مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٦١هذه سبيل من سبل المباهلة الإدماجية الواعية يستدرج بها الداعية مخاطبيه، ومذهب من مذاهب الإنصاف ينتصف بها لهم بالعودة معهم ـ دونما تعال من الداعية أو استنكاف منه في الحوارـ إلى أساس من الاحتكام العادل وأصوله الفطرية التي من شأنها أن تستحث النفوس الطيبة إلى إجالة النظر وإعادته كرة بعد أخرى فيما تميل إليه الفطرة السليمة بعد أن ينزاح ما كان عائقا بينها وبين الداعية من عوائق تقيمها الأنانية الفردية والتعصب القبلي وما يتبع ذلك من موروثات أخلاق الجاهليين، ولا شك أن بقايا الفطرة الإيمانية والحياء الإنساني تحرج صاحبها من مثل هذه الجرأة التي تجعله يبتهل ليجعل ژ????ژ، وهو يعلم في قرارة نفسه أن الذي يدعوه إلى هذا الدين الجديد أصدق من عرفته الجزيرة العربية حتى إنه لقب بالأمين، ثم إن مثل هذه اللحظات التي يقف فيها الطرفان بين يدي الله كلٌّ كما يؤمن به هو وليس هناك من حائل بينهم وبين الحقيقة إلا أن يتوجه القوم جميعا بهذا الدعاء الصادق ـ إن هذه اللحظات الجادة تهز كثيرا من النفوس وتخيفها النتيجة المرعبة التي تجعل الكاذبين مطرودين من رحمة الله، وهو ما يجعلها تفكر مليا وتعيد النظر في حياتها الروحية كلها.
ويتجلى هذا المسلك الإدماجي تجليا بينا في تأملات سيدنا إبراهيم عليه السلام في ملكوت الله السماوية، معبودات قومه الكلدانيين الذين كانوا يعبدون أحد مظاهر هذا الملكوت، ألا وهي النجوم، يقول الله تعالى:
﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَءَا كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لآَ أُحِبُّ الاَفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَءَا الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّآلِّينَ (77) فَلَمَّا رَءَا الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضَ حَنِيفًا وَمَآ أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾(1).
لقد صحب سيدنا إبراهيم عليه السلام قومه في رحلة من التأمل الاستدلالي المفضي بطبيعته المنطقية إلى اليقين، فتعمد إيهامهم بإدماج نفسه معهم بمشاركته
(1) ـ القرآن الكريم، الأنعام: 76 ـ79.