مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٦٢إياهم الرأي في إمكانية عبادة بعض مظاهر الكون، وإن كان يتحفظ عمليا في الوقت ذاته ـ إمعانا في الاستدراج ـ من مسألة التعدد، فادعى على سبيل الافتراض العلمي الجدلي وقال مشيرا إلى كوكب دري متوهج في السماء: ژ????ژ، على سبيل القصر الاستبعادي، وبذلك بدأ معهم رحلة التفكير الجاد بطريقة علمية منطقية، منطلقا معهم من أرضية لا ينكرونها، ألا وهي عبادة القوى الكونية الظاهرة (النجوم في هذه الحالة)، حتى إذا ما اطمأنوا وأرخوا له العنان والتفتوا إليه وقد وجدوا منه ما يجمعهم به، تدرج بهم من الكوكب الآفل إلى آخر هو ـ وفق منطقهم المادي ـ أولى بالعبادة من سابقه، ثم انتهى بهم إلى الشمس، أعظم ما يرون وأوضح ما يشاهدون في هذا الكون، ولقد كان التحول من كوكب إلى آخر بعلة الأفول وهي علة عقلية تبرر له ـ بحكم كونها مناط الاحتجاج في جدليته ـ مشروعية البحث عن القوة الأفضل والأعظم والأدوم، ولما كان أمر التحول ارتقائيا ولم يكن لهم من معاذير عقلية تمنع من ذلك الانتقال والارتقاء، انتقل بهم سيدنا إبراهيم عليه السلام إلى ما لا يجري عليه شيء من هذه العلل الفاسدة، وقال لهم بطريق العلم والعمل والفطرة لنتجه إلى أفضل شيء وأعظم شيء وأدوم شيء، إلى الذي فطر ملكوت السماوات والأرض وما فيهن من كواكب ونجوم.
وحتى لا يتبادر إلى الذهن شيء من سوء التقدير والخلط بين الوسائل الفاسدة لذاتها أو التي تفسدها الغايات ينبغي ملاحظة أنه ليس في منزع إبراهيم عليه السلام ما يدل على أنه استباح وسيلة فاسدة أو أنها قد تفضي إلى غاية فاسدة، فهو لم يتبن غايتهم وإنما تبنى وسائلهم المشروعة التي إن اتبعوا منطقها إلى نهايتها أفضت بهم لا محالة إلى الغاية الكبرى، التوحيد الإلهي، وهذه حكمة بطبيعة الحال لا تتأتى بيسر وسهولة إلا لمن عرف غايات الكلام ومقاصد الشريعة الكبرى وخبر طبائع النفوس وخلجاتها فدخل إليها من أبوابها، وهو مغزى «به تفاوت الناس وتفاضلوا».(1)
هذا، وقد قال بعض العلماء: «ولا يريبك في هذا صدور ما ظاهره كفر على لسانه عليه السلام لأنه لما رأى أنه ذلك طريق إلى إرشاد قومه وإنقاذهم من الكفر واجتهد فرآه أرجى للقبول عندهم ساغ له التصريح لقصد الوصول إلى الحق وهو لا
(1) ـ أبو الحسن علي ابن رشيق، العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، تح. محمد محي الدين بن عبد الحميد، دار الجيل، بيروت، ط3. (1981) 199.