مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٦٦بأي نوع من الأذى الفعلي أو الكلامي الذي لا هدف له سوى استفزاز الخصم واستثارته، وذلك حتى لا يرتد طائش أذاهوكريه نزقه على معتقدات المسلمين ودور عبادتهم، يقول الله تعالى: ﴿وَلاَ تَسُبُّواْ الذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّواْ اللَّهَ عَدْواَم بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَالِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (108)﴾(1).
وقد توسع علماء الأصول في فهم هذه الآية الكريمة توسعا داخليا إذا جاز التعبير، فبنوا عليها أصلا من أصول سد الذرائع التي آثر بعضهم التركيز فيها على جانب المنع والتحريم أكثر من العمل على أن تبقى الآية معلماً من معالم الخطاب الإسلامي الذي يمد أسباب التواصل وأداة من الأدوات التي تقتضيها المقاصد الدعوية، وهي آية ترفدها آيات أخر محكمات في هذا التوجه الذي يتأسس على مفاهيم من حب الخير العميم ومعان من الرحمة الواسعة التي تسع العالمين جميعا، كقوله تعالى: ﴿لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمُ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8)﴾(2)، وكقوله تعالى مخاطبا موسى وأخاه هارون عليهما السلام في شأن فرعون الذي تكبّر وطغى: ﴿فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44)﴾(3) وكقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾(4)، إن بعض الفهوم كأنها اكتفت باستصحاب
(1) ـ القرآن الكريم، الأنعام: 108.
(2) ـ القرآن الكريم، الممتحنة: 8، وهذه الآية بقدر ما تدعو إلى البر والإحسان فإنها بطبيعة الحق تستثني من هذا الأسلوب الاستدراجي كل محارب يرفع الحراب في وجه الدعوة الإسلامية وأصحابها، إلاّ أن يلقي السلم ويعود إليه عودا صادقا.
(3) ـ القرآن الكريم، طه: 44.
(4) ـ القرآن الكريم، النحل: 125، ولعل تكملة الآية الكريمة تجمع وسائل هذا الأسلوب الاستدراجي وأدواته في بيان توجيهي رائع، فقد دعت الآية إلى الحكمة والحسنى، ثم دعت حتى في حال القصاص إلى عدم تجاوز حد الجرم الذي يدعو إلى ذلك، ووجهت النبي صلى الله عليه وسلم ـ والمؤمنون أحوج إلى هذا التوجيه ـ إلى أن في الصبر خيرا: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ (126)، ثم تؤكد تذييلات الآية هذاالمسلك التأديبي الرفيع في قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ (127) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الذِينَ اتَّقَوا وَّالذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ (128)﴾