مجلة الحياة، العدد 19 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٦٥

فَاصْبِرِ اِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ الذِينَ لاَ يُوقِنُونَ (60)}(1) فالصبر مقابل «الاستخفاف» عزيمة من العزائم التي ينبغي أن تتحلى بها كل همة كبيرة نذرت نفسها للنهوض بعظائم الأمور وخالد الرسالات، عزيمة عبّر عنها القرآن الكريم بكظم الغيظ، ولا يخفى ما في هذه الاستعارة البلاغية من أسلوب تصويري مشخّص يجمع بين صورتين: صورة القربة التي تكاد تنفجر من الهواء المنحبس داخلها فيكظم عليه برباط محكم حتى لا يتسرب منها(2)، وبين صورة الشخص المستفَزّ الذي يكظم في نفسه على أذى الخصم واستخفافه الذي يدعو إلى الانتقام وردة الفعل العنيفة، ومسار الدعوة وما يرافقها من إصلاح وبناء لا تستقيم بغير قيمة الصبر التي تمكّن من التواصل والمحاورة والحجاج الهاديء الهادف المسالم، وهي قيمة استقصدت لذاتها معيارا للتفاضل والعمل المحمود بحِكمة الخلق وحُكم الفتنة: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً اَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (20)﴾(3).

هذا الخُلق العزيز من عزيمة الصبر أسلوب من أساليب الحكمة الصامتة ـ إذا جاز الوصف ـ يسنح كثيرا من الفرص اللازمة، تمكّن بدورها الطرف الآخر من الإخلاد إلى نفسه قليلا، فيجيل النظر فيما طرح عليه ودعي إليه، وهو توجيه إلهي يندرج بكل الوضوح تحت أسلوب الاستدراج في مسألة لا تمس جوهر الرسالات التي تعاقب عليها أنبياء الله ورسله عليهم السلام جميعا وحسب وإنما تطال كل مسارب الحياة وشعابها.

خامسا: أسلوب الاستدراج الإعراضي

من الطرائق العملية المهمة التي ألمح إليها القرآن الكريم في هذا السبيل هي ما يمكن وسمه بالاستدراج الإعراضي، وهو أن يعرض الداعية ومؤيدوه عن التعرض لمعتقدات الخصم

(1) ـ القرآن الكريم، الروم: 58 ـ 60.

(2) ـ هذا هو أصل الكظم اللغوي، انظر اللسان، مادة كظم.

(3) ـ القرآن الكريم، الفرقان: 20.

٤٠ / ٣٤١