مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٦٨بباب سد الذرائع في أمور الفقه من حلال وحرام، حتى لتكاد تنقلب دلالتها العميقة من كونها مظهرا من مظاهر الرحمة الإلهية التي لا يحتكرها المسلمون لأنفسهم ولا يستأثرون بها وحدهم إلى نقيض ذلك، فضيق بعضهم على أنفسهم ما يسع البشرية جميعا، ولا ريب في أن الفهم العميق والنظر البعيد هو الذي حدا بالصحابة الكرام أن يدركوا في ضوء هذه الآية بأن الحكمة تقتضي عدم التعرض لما قد يوجد في مدار المسلمين من معبودات غيرهم، وهو أمر إن لم يكن من باب الحفاظ عظةً وادّكارا على تراثٍ أمِن الناس على أنفسهم مظنة التوجّه إليه بالعبادة، فهو من باب هذا الاستدراج الذي ينبغي أن يوازن فيه أهل الرأي بين المصالح التي يجلبها التعرض لتلك المعبودات بالهدم والتخريب أو النهب والمصادرة وبين المفاسد التي يدرؤها الإبقاء عليها شاخصة، و لا يحيق إثمها إلا بأهلها.
ومن المفارقات التي لا تنشئها إلا مقامات الرحمة ومقاصد الخير التي تناط بذوي التعاليم الربانية وحَمَلةالرسالات الخالدة أن يؤمر النبي الكريم بالإعراض عن إعراض المشركين وأذاهم، وألاّ يستسلم لِعَنتهم وعنادهم حتى في المواقف التي يشتد فيها هذا الأذى ويثقل ذلك الإعراض ويكبر، يقول تعالى: ﴿وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اِسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الاَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَآءِ فَتَاتِيَهُم بِئَايَةٍ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَمَعُهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (35)﴾(1)، والجاهلية في هذا السياق هي تلك القوة الهائلة التي تستحوذ على كل ملكات الشخص النفسية والعاطفية وتتملك قواه العقلية فتدفع به إلى الاهتماملا بالدعوة وأمرها وحسب، وإنما ـ كما تلمح الآية الكريمة ـ بنتائجها التي يستعجلها الإنسان بطبعه، فيوجه الله تعالى نبيه الكريم ـ والمؤمنون أحوج إلى هذا التوجيه وبخاصة في زماننا ـ إلى أن لهذا الأمر سننا يجب اتباعها، ووسائل وأسبابا ينبغي
(1) ـ القرآن الكريم، الأنعام: 35.