مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٦٩الأخذ بها والتدرج في توظيفها، فلا يحزنك تكذيبهم ولا يستجهلنك أذاهم، واعتصم بالصبر: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيُحْزِنُكَ الذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكْذِبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِئَايَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ (34)﴾(1)، إنها سنة الله وطريق المرسلين ترسمها الآية بكل الوضوح منهاجا لسيد المرسلين يسلكه على هدي من سبيل الاستدراج والارتفاق هو ومن تبعه ممن ترسّم خطاه.
لقد تعددت الشواهد التي تؤكد هذا الأسلوب من الاستدراج الإعراضي إلى درجة تجعل منه قاعدة عامة في التواصل والخطاب يُركن إليها كلما بدا من المخاطَب ما يؤذي، يقول تعالى: ﴿اُوْلَئِكَ الذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُم﴾(2) ويقول: ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً﴾،(3) ويقول: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الذِينَ يَخُوضُونَ فِي ءَايَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾(4) ويقول: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَامُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾(5).
الإعراض الذي تتحدَّث عنه هذه الآيات الكريمات هو من باب الاستدراج الذي يعود بالحوار من الشخصي إلى الموضوعي كلما حاد عن مضامينه وأصوله، فهو لا يعني بحال تيئيس الداعية أو إيقافه عن أداء مهمته الشريفة، أو حتى الحد من عزيمته، وإنما هو توجيه تربوي رحيم إلى عدم الاهتمام بما يصدر عن المستقصدين بالخطاب من أذى فعلي أو قولي، وأن يستدرجهم بالابتعاد عن الفعلي وعدم الرد على القولي إلاّ بالتي هي أحسن.
(1) ـ القرآن الكريم، الأنعام: 33 ـ 34.
(2) ـ القرآن الكريم، النساء: 63.
(3) ـ القرآن الكريم، النساء: 81.
(4) ـ القرآن الكريم، الأنعام: 63.
(5) ـ القرآن الكريم، الأعراف: 199.