مجلة الحياة، العدد 19 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٨٠

الثانية: إنه لمما يبعث على التأمل أن نلاحظ في عهود ما بعد توطُّن الاسلام واستقراره في ديار فتوحاته الأولى، تباين حصائل الجهود المبذولة على مستويين تتناقض العُدد المادية بينهما تناقضا صارخا، فبينما تفلح فلاحا باهرًا جهود فردية عفوية في تواصلها الإنساني وتبليغ كلمة الإسلام على تواضع هذه الجهود الشديد في الوسائل والمعارف، يفشل الجهد الرسمي في تأمين صورة إيجابية ـ أو حتى حيادية ـ للعرب والمسلمين على ضخامة إمكاناته المادية ووسائطه الإعلامية، فعدد مسلمي فتوحات الأخلاق ـ إذا جاز التعبير ـ تفوق كثيرًا عدد مسلمي فتوحات السياسة، إن كان لها فتوحات تذكر!

وبعض سرِّ هذا التباين الكبير بين الجهدين هو لا شك في أنَّ الأنفاس القدسية لهذا الأسلوب الاستدراجي كانت قد سرت في مظاهر أدوات الخطاب الذي آثر الانسحاب من دنيا السياسة، واعتمد العمل القائم على حكمة الزهاد وصبر العلماء وأناتهم، وعفوية التجار وصدقهم، وهوما نجده ماثلا في حركة انتشار الإسلام في جزر شرق آسيا، وفي كثير من أطراف أفريقيا السوداء وغيرها من بيئات الإسلام البعيدة عن دياره السياسية، بينما ضلت تلك الأنفاس طريقها إلى أنساغ الخطاب الرسمي، وهو ما يبرر التذكير المتكرِّر بأنه ما من ظرف يمنع من الالتفات الجاد المتواصل لجعل خطابنا إنسانيا بالدرجة الأولى، يتميَّز في انطلاقته بالرحمة كما ترسُمُها أساليب الاستدراج الحكيمة، ويتحرَّر من عُقُل الشعارات العاطفيةالواهمة، ويخرج ـ وهو الأمر الآكد والأهم ـ من أسواق التهريج الثوري إلى رحابٍ أُسُسُها العلم والمعرفة والأخلاق المتسامحة، وما من أفق يلوح لتقديم الصورة الحقيقية للإسلام إلاَّ بوضع موازين أدبية تستوحي مقوماتها من روح هذه التعاليم الاستدراجية، وتنأى بأدواتها البلاغية عن مفاهيم الكرامة المفتعلة، والعزَّة الزائفة، وتبتعد عن تلبية رغبات النفس في انتصار الذات الواهم على الخصم، فأساليب الأنبياء عليهم السلام جميعا التزمت سبل تحقيق انتصار الفكرة الخيِّرة، الانتصار الذي لا يتم بتغلُّب النفس على الخصم، وإنما بانتصار الذات للخصم ومع الخصم، فهل يقوى خطابنا العربي الإسلامي على انتشال أدواته من وهاد الأسلوب العنتري المتشنج، ومزادات تضخيم الذات، ويعود بها إلى ديارها من إشراقات هذه الأساليب الاستدراجية الأصيلة؟ اللهم نعم، لأنَّ رصيده من أساليب الرحمة لا يفقد مفعوله بالتقادم، فإنه لا يصلح آخر هذه الأمَّة إلاَّ بما صلح به أولها.

٥٥ / ٣٤١