مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٧٩2ـ قرآني نبوي خيِّر ينزع إلى فضيلة التدرج في مخاطبة الخصم ليلتفت إلى الداعية، فيتمكن المدعو ـ عندما تنزاح من حواليه غواشي الأحكام المسبقة وثقل التقاليد وأحمال الأعراف ـ على التمييز الواعي بين مصالحه الحقيقية وبين وهْم المصالح الآنية، وهذا النوع في حقيقته حِلم من المستدرِج ورحمة منه، وهو ما حاولت إبراز ملامحه كما تجلت في كتاب الله وسنة نبيه عليه السلام.
هذا، وقد حاولت تقسيم هذا الأسلوب الاستدراجي إلى ستة أقسام لغرض منهجي تبياني، فهذه الأقسام الستة لا تتمايز فيما بينها تمايزا كبيرا، وإنما هي في الحقيقة قد تتداخل تداخلا شديدا فتنعدم حدودها، وتبقى هذه الأساليب في إطارها العام، يجمعها جميعا منهجية إنسانية راقية، تتدرج مع المستقصدين بالخطاب في لطف ويسر، غايتها الهداية والإرشاد، ووسائلها كلمة طيبة وجدال بالتي هي أحسن، وزادها الذي لا ينضب رحمة مهداة إلى الناس أجمعين.
وتبقى ملاحظتان تنهيان هذا البحث بشيء من الاحتراس و التذكير المتفائل:
الأولى: ربما يود نفر من المنتسبين إلى حقل الدعوة أو ممن ينخرطون في سوق الإعلام والمزايداتالفكرية أن يخلطوا بين أحكام الله على بعض الجماعات والأقوام الماضية وبين أقوال الأنبياء وأساليبهم التي اتبعوها بحنان وشفقة في تبليغ رسالاتهم، إلا أن الفارق بين من يملك حق الإدانة وإصدار الأحكام وبين من لا يملك غير تبليغها كبير وجوهري، والمسافةبين الطرفين ـ كما يتجلى في آي الذكر الحكيم التي استعرضنا نماذج منها ـ شاسعة شسوع ما بين السماء والأرض، فأن يسم القرآن فرعون مثلا بالجبروت والطغيان وينعته بالعلو والفساد في الأرض ـ لحكمة لا تخفى وقدر قد سبق علمه ـ شيء، وأن يقول ذلك موسى عليه السلام أسلوبَ دعوة وتبليغَ رسالة شيء آخر، فإنه إذا ما تتبعنا مسيرة الدعوة كما تجلت في مثل موسى عليه السلام وفرعون نجد أنها مسيرة هادئة متزنة متأدبة تأخذ بمجامع الأسلوب الاستدراجي الحكيم، حتى إن الله تعالى ذكّر نبيه الكريم بذلك كما رأينا،} وقولا له قولا لينا}، لأن غاية الأنبياء هي الدعوة إلى الله لا التشهير بالباطل وحسب، وتلك تجليات الرحمة في أوسع مجاليها وأعمق معانيها، لا ينهض بها إلاّ من أتقن فن الاستدراج الحكيم.