مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٨٣وادي ميزاب …
حضارةٌ تُصنع في صمت
د: قاسم بن أحمد الشيخ بالحاج
كلية العلوم الإسلامية
جامعة الجزائر ــــ خروبةـ الجزائر
chikkhbelhadje@yahoo.com
ش
شاءت الإرادةُ الإلهيَّة أن تخلُقَ الإنسانَ من نفسٍ واحدة، ثم تخلُق منها زوجها، ثم تجعل منهما قبائلَ وشعوبًا وأُمَمًا تتعارفُ وتتآلفُ وتتخالط، ويستفيدُ بعضُها من خبرات بعضٍ. ومن تمام رحمة الله تعالى بالإنسانيَّة أن أكرمها بالعقل، وأعزَّها بالدين؛ الذي هو منظومة عقائد وشرائع وأخلاق تحقِّق الحياة الهنيئة المتناغمة مع الفطرة السويَّة لكلِّ نفس بشريَّة في إطار العبوديَّة لله تعالى، والاستخلاف في الأرض، تحقيقًا لمقصد الصلاحيَّة والخيريَّة من وجود الإنسان.
يقف هذا المقال مع تجربة إنسانيَّة تجسَّدت في مجتمع على أرض الجزائر، حاول أفرادُه أن يُقيموا حضارةً رفعت قواعدها على دين الإسلام في أبعاده المختلفة … إنَّه مجتمع وادي ميزاب في جنوب الجزائر.
1 ـ الأصل والتسمية:
يعيد المؤرِّخون أصل تسمية بني ميزاب، إلى قبيلة «بني مصعب» التي عمرت هذه المنطقة قديمًا، وهي إحدى فروع قبيلة «زناتة» البربرية؛ إذ يذكر المؤرِّخ عبد الرحمن خلدون أنَّ «بني مصعب» يعود نسبُهم إلى «مصاب بن بادين» من قبيلة زناتة، الذي انتقل إلى «وادي ميزاب» هو وإخوته يقول: «وقصورُ مُصاب سكَّانها لهذا العهد شعوب بني بادين من بني عبد الواد وبني توجين ومصاب وبني زردال فيمن انضاف إليهم من شعوب زناتة، وإن كانت شهرتها مختصة بِمُصاب»(1).
(1) ـ عبد الرحمن، ابن خلدون: «كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر»، دار الكتاب اللبناني للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، 1402هـ \ 1981م، مج7، ص123 - 124.