مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٨٥كما يُعرف الفرد في هذا المجتمع بالتقشُّف في مظاهر حياته عمومًا، فهو يُحسِن التصرُّف في أمواله جمعًا وإنفاقًا واستثمارًا، كما يُحسِنُ ترتيب أولوياته في الحياة، ويُحسِنُ فرز ضروريَّاته من كمالياته، لذا تجده أبعد الناس عن مظاهر الإسراف والتبذير. كما أنَّه يحمل فكر الادِّخار لمستقبل أيَّامه، ويفكِّر في نفسه كما يفكر في والديه وأسرته وأبنائه ومجتمعه.
نستطيع اعتبار هذه المحفِّزات الأربعة هي الدعائم التي قامت عليها حضارة الإنسان في وادي ميزاب، في مسيرةٍ استغرقت ما يزيد عن ألف عامٍ من الزَّمن.
لعلَّ من الواضح أنَّ ما يميِّز هذه الحضارة ليس عظم مبانيها وزخرفها، ولا قوَّة عُدَّتها وعددها، وإنَّما هي القدرةُ على تجميع القوى الحيَّة في المجتمع، ثم توجيهها لرعاية الإنسان والاستثمار في عقله وروحه وجسده وفق تعاليم الإسلام، واعتباره حجر الزاوية في بناء الحضارة.
وإذا أردنا أن نخلُص في الأخير إلى نحت مفهومٍ لحضارة وادي ميزاب فنقول:
هي إقامةُ حياةٍ إنسانيَّة تحتكم إلى مبادئ الإسلام عقيدةً وشريعةً وأخلاقًا، تُجسِّد مجتمعًا خيِّرًا صالحًا، يرعى بداخله إنسانًا سويَّ الفطرة، مُنضبط السلوك، وسطيَّ الفكر، متَّزن الشخصية، منشغلاً بعمارة الحياة بصالح الأعمال، يتحرَّك بدافع الدين في إطار مبدإ الخوف والرجاء، ليصنع الحضارة في مظاهرها المختلفة.
- - -