مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٠٠وتعايشها مع الأفراد والجماعات التي تجمعها بها مدينة الجزائر من أجل خدمة ساكنيها، وتحصيل لقمة العيش التي فارقوا أوطانهم في سبيلها من جهة أخرى.
وأوَّل حقيقة لا ينبغي تجاهلُها، هي أنَّ هؤلاء التجَّار ينتمون إلىفكر عقدي لا يسمح بالتساهل في أداء الواجب وترك المحظور، ويقرُّ بنفاذ وعيد الله تمامًا مثل نفاذ وعده، ويدعو إلى العمل وعدم الاكتفاء بالقول والنيَّة. ولذلك فإنَّ الخلود عندهم في جهنَّم ثابتٌ لمستحقِّيه تماما مثل الخلود في الجنَّة لمستأهليها. وتظهر هذه العقيدة في سلوك التجَّار المزابيين وفي علاقاتهم مع الآخرين.
والحقيقة الأخرى التي ينبغي الإشارة إليها، هي أنَّ النظام العثماني الذي كشف عن نيته في الجهاد بحماية الإسلام والمجتمعات الإسلامية وتحرير بلاد المغرب الكبير من الهجمات الصليبية الإسبانيَّة منذ بداية القرن السادس عشر؛ كان واجبًا شرعيا نصرة هذا النظاموتقديم الطاعة والولاء له. وفي الجزائر كان الأعيانُ والعلماء على رأس الوفد الذي طلب النصرة من السلطان العثماني.
هذا الولاء المبكِّر الذي قدَّمه المزابيُّون للرايس «بابا عروج» في 1510م في جربة التونسية، واستمر وتجدَّد في مناسبات ومواقف متعدِّدة، قابلته جملةٌ من التعهُّدات من حكَّام الجزائر الجدُد بعد أن قرَّروا إلحاق نظامهم بالخلافة العثمانية، تلك التعهُّدات نصَّت على حماية التجَّار المزابيين وممتلكاتهم في تلال الجزائر. وتبعتها امتيازات تنازل بموجبها النظام عن إدارة بعض المرافق العمومية الحيوية حينها مثل الحمَّامات والرحوات والمسالخ.
تلك هي أهمُّ المنطلقات والمبادئ التي استمدَّتفئة تجار جماعة المزابيين منها فعاليتها وتفاعلها وانسجامها وتعاونها مع الآخرين، من الحكام والمحكومين في الجزائر عهد الوجود العثماني.
- - -