مجلة الحياة، العدد 19 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٩٩

وقد لاحظ «شالر» هذه الصفات وكتب عنها، وهو الذي لم يمكث طويلا في الجزائر، فكيف لساكنة المدينة الذين هم دائمو الاحتكاك بأفراد الجماعة، فلا يكون هناك شكٌّ في دورهم في نشر ثقافة التعامل التجاري المنبنيِّ على الثقة والأمانة وخدمة الزبون بكل حبٍّ وإخلاص.

ونخلص إلى أنَّ جماعة المزابيِّين في مدينة الجزائر العثمانيَّة كانت من أكثر الجماعات نشاطا وحيوية وفعالية في جوٍّ كان يسودُه التنافس خاصَّة مع جماعتي «الجواجلة» و «القبايل» على كسب الامتيازات من طبقة الأتراك الحاكمة التي احتكرت حكم البلاد وتسيير دواليب السياسة والاقتصاد، ناهيك عن ضبط الأمن في جوٍّ كان يطبعه النظام الطبقيُّ، وتُعدُّ فيه طبقة «البرانية» في المقام الرابع بعد «الأتراك» و «الكراغلة» وسكان المدينة الأصليين.

ومما قلَّص من حظوظ مزيد من التألُّق والتفوُّق لهذه الفئة من التجَّار، هو الالتزام المعنوي بالإقامة المؤقَّتة بالمدينة؛ هذا الالتزام الذي ربطهم ببلدهم الأصلي مزاب البعيد جغرافيا، فكان ينتظر الإعمار والإمداد بما تُحصِّله أيادي كلِّ أولئك التجَّار المنتشرين في بلاد التَّل الجزائري؛ حيث لم تعُد موارد مزاب الفلاحيَّة كافية لسدِّ حاجة ساكنيه المعيشيَّة، وذلك ممَّا أضعف توجُّههم نحو امتلاك العقارات، التي تعدُّ ورقة قوية للتفاوض والتموقع.

وبالرغم من ضعف تعدادهم وحضورهم الكمِّي بالمدينة، وإقامتهم الظرفية المؤقَّتة، فإن جدِّيتهم المعهودة وصرامة نظامهم وقوَّة تضامنهم فيما بينهم، بالإضافة إلى الخدمات والمواقف التاريخية التي أسدوها للنظام العثماني بالجزائر أيام التأسيس؛ كل ذلك مكَّنهم من أن يتبوَّؤوا مكانة محترمة في المجال الاقتصادي، واستطاعوا بذلك أيضًا أن يعمِّقوا نفوذهم السياسي حتى افتكُّوا تمثيلاً لهم في الهيئات الاستشارية القريبة من مركز القرار لنظام الحكم في البلاد.

ولا شك في أنَّ هذا السلوك الجماعي هو مظهرٌ لحقيقة نظريَّة، وقناعات فكرية، تنطلق منها هذه الجماعة في تعاملها مع النظام الإداري والسياسي للبلاد من جهة،

٨٣ / ٣٤١