مجلة الشباب الأعداد الأولى
الجزء ١ · صفحة ١٥سادتي إِنَّ مقالاتكم لا تزال عَلَى مطِّها القديم، ولهجتها الفاسدة من لحن وفساد وخطإ خطًّا وعبارة؛ فتنبَّهوا من رقدكم تنبُّه الفازع الذي فجأه جيش يريد احتلال وطنه؛ إِنَّ الأعيان استلفتت أنظارها لكم، وتذكَّرتكم في المجالس، وشكرتكم عَلَى فعلكم عَلَى رؤوس الملإ، وامتدحتكم في الغيبة، وظنُّوا فيكم ظنونًا كثيرة.
المرجو منكم أن تصدِّقوا ظنَّهم فيكم حسب الحديث النبوي، قال - صلى الله عليه وسلم -: «من ظنَّ فصدِّق ظنَّه». وقال الشاعر:
قد رشَّحوك لأمر إن فطنت له
فاربأ بعمرك أن ترعى مع الهمل (1)
إخواني شمِّروا عَلَى ساق الجدِّ ولا تتَّكلوا، إِنَّ جريدتنا أعدَّت لتعليم مبادئ الكِتَابَة، بل المطلوب منكم تحسين المقالات، فأحبُّ كُلَّ مقالة أن تكون أحسن من أختها عبارة وموضوعا وخطًّا، وأن تدوموا عَلَى منهجكم، فَإِنَّهُ بَعد ما كان هزلا، فالآن قد صار جِدًّا؛ وثابروا وساهروا، واجعلوا نصب أعينكم غاية، ألاَ وهو الوطن الباكي، الذي ينادي ويصرخ ولا مسمع له، ولا من يكفكف دموعه، ولا من يأخذ بيده؛ وهل لنا من أسوة بالأمم الأخرى الذِين يعرفون مقدار الوطن.
(1) - … وفي المثل العامِّي: «إذا بَنْتْ لاَ تغِيب، وإذا غَبْت لا تْبَن».
(1/ 16)
كَلاَّ، إِنَّ الجمود والخمول والكسل قد أطنب علينا، ألا ترون ولاة أموركم، ومحامي المشارع، ورؤساء المناصب، لا يتجاوز سنُّهم ثمانية عشر، وكلُّنا ابن آدم وحوَّاء، وابن تسعة شهور، والفرق ظاهر، هم اعتمدوا عَلَى أنفسهم، ونحن اعتمدنا عليهم.
وَإِنَّ هناك أمرا آخر أعظم منه: الاعتناء وقلَّته، هم تمسَّكوا بِالأَوَّلِ وفازوا، أَمَّا نحن ترى التلميذ أعواما مديدة، وسنين عديدة، عاكفًا عَلَى القراءة من مدرسة إِلىَ أخرى، ومن كتاب إِلىَ آخر، ولا يتقن كتابة جوابه؛ ومنَّا فريق يتعلَّم مسائل قليلة ولم يتقن درسها، ولم يحكم فهمها، ويريك أَنَّهُ علاَّمة الزمان، وفيلسوف الوقت، هنا طمست العقول، وازدرت الأفكار؛ أيُّكم طبيب يغيثنا بدواء ناجع قبل أن نمنى بداء عضال؟!.
سادتي إِنَّ الأُمَّة باسطة إليكم أيديها، فمدُّوا إليها أسباب النهوض، وأعينوها بقوَّة تحيى بكم حياة طيِّبة، وترقى إِلىَ فلك الثريَّا.
إخواني تنبَّهوا إِلىَ إيقاد نيران الثورة الأدبيَّة في الأُمَّة، فَإِنَّهُ لا وسيلة لهذه الثورة أنفع من الجرائد الحرَّة