مجلة الشباب الأعداد الأولى
الجزء ١ · صفحة ٢٤أَنَّهَا من خداع العناوين، وَإِنِّي وقعت في أحبولة نصبها صائد الأفكار، لا صائد الأطيار.
شعر قنصت عقول أولي النهى بحبائل الصبوات، لا بحبائل الصيَّاد .. رأى الكاتب كليمات كتبتها في العدد الثاني، راقت في نظره لا في نظر من كتب إِليه، تنبَّهوا أَيُّهَا الأطفال ولا في نظره، فحرَّكت منه ما كان ساكنا، فهبَّ لتقريظها؛ علم أَنَّنِي رُبَّمَا أقابل هَذَا التقريظ بالإعراض، وأجعله دبر أذني، فدسَّه تحت عنوان يخالف الموضوع، ضمن مقالة إرشاديَّة؛ فالتقريظ نفسه إرشاد، فباطنه تقريظ لي، وظاهره إرشاد لي ولغيري.
فالمقالة مائدة حافلة بصنوف الأطعمة، يأكل منها كُلٌّ مِنَّا حسب مشتهياته، غَيْر أَنَّ الكاتب عفا الله عنه أفرط في تقريظه، فصار يرمي الألقاب ويقلِّدها جزافا، تقليد يزري بقيمة تلك الألقاب، حيث نسبت لغير أهلها، ويجعلها عرضة لِكُلِّ متناول، وسلعة يقتنيها كُلُّ متطاول، رأى ورمًا فاستسمنه، وسائلاً ظنَّه عسلا فاستحسنه، وغاب عنه المثل السائر: «ما كُلُّ بيضاء شحمة، ولا كُلُّ حمراء لحمة»، اللَّهُمَّ إِلاَّ أن يكون إخلاصه في حبِّ النصيحة، وهيامه وراء الإرشاد، جعلاه يركب أطراف الأسنَّة، ويمتطي حدَّ السيوف، إذ لا محيد له عن ذَلِكَ.
(1/ 27)
إن كان هَذَا هو غرضه، ولا يكون إِلاَّ ذاك، فله ألف عذر ونصف عذر، وهذا لا يمنعنا من أن نقول له: إذا أردت أن تكتب عن شَيْء فاذكر حسناته وسيِّئاته، لا تقتصر عن الأولى، فيغترَّ بك من يقرأ كتابتك، ولا عن الثاني فتبخس حظَّ الشَّيْء الذِي تكتب عنه، كما أرجو أن تتنكَّب الموضوع (موضوع التقريظ) بعد هَذَا لِئَلاَّ يسلسل الأمر فيخرج عن جادَّة الجرِيدَة، فَإِنَّهَا لم تؤسَّس للخصوصيَّات، فلك الميدان فسيحا فجُل حيث شئت، والجوُّ خاليا، فغرِّد حيث طاب لك التغريد.
منتقد.
إِلىَ الوادي المقدَّس
عليك أَيُّهَا الوادي جئت أسعى لأؤدِّي ما عليَّ من حقِّك، لقد كنتَ ولا زلتَ فينا أَيُّهَا الوادي غيثا، تصلح الحرث والنسل، ودليلا في الفلوات والقفار والجبال الشاهقة والسهل والوعر، وملجأ يلتجئ إليك المضطرُّ، وحصنا مانعا تحمي الهارب، وسلاحا شاهرا تقاتل به الأعداء، وآلة تصلح لِكُلِّ شَيْء، كالماء لا يتحرَّك متحرِّك بدونه.
وصحيفة تأخذ بيد الضعيف إِلىَ أوج العلا، وأسِّ السعادة لتعليم مبادئ الكِتَابَة، كيف لا وأنت غيث تنزل علينا مرَّة في كُلِّ أسبوع تسقينا وأرضنا ومواشينا، وإن عَدِمْناك ذهبنا في أدراج الرياح، غَيْر أَنَّ شرذمة قليلة ليست من الصلاح في شَيْء، تذمُّ الجرائد إجمالا، وبالأخصِّ الوادي، وما ذَلِكَ إِلاَّ حسدا