مجلة الشباب الأعداد الأولى
الجزء ١ · صفحة ٤٧الكرم
قال الله تَعَالىَ: ﴿وَأَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَنْ يَّاتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلآَ أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ (1).
وقالَ الشاعِر:
(1) - … سورة المنافقون: 10.
(1/ 50)
أحسن إِلىَ الناس تستعبد قلوبهم
فطالما استعبد الإِنسَانَ إحسان
الكرم واسطة بين رذيلتي الإسراف والشحِّ، ففي الإسراف إتلاف المال، وفي الشحِّ إرهاق النفس، قال الله تَعَالىَ: ﴿وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً اِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾ (1)، فأفضل ما يتخلَّق به المرء، ويتحلَّى به الكرام، هو داعية السعادة.
لا خير في مال بلا كرم، فَإِنَّ صاحبه يعدُّ بخيلا أو مسرفا، لا خير في الجميع، وَفي المثل: «لا تكن رطبا فتعصرا، ولا صلبا فتكسرا».
ولنعلم أَنَّ الناس عَلَى فرق شَتَّى في الكرم؛ منهم من يظنُّون أَنَّ البخل هو سبب خلودهم في الدنيا وسعادتهم فيها، فلو طلبت منهم ملبسا لسدِّ عوز أو دفع مضرَّة، أو إعانة في بَعض المهمَّات الخيريَّة، لأظلم الجوُّ أمامهم، ولظنُّوا أَنَّكَ تدعوهم إِلىَ مقابلة الرماح في معركة القتال.
ومنهم من يبخل عَلَى غَيْره ويجود عَلَى نفسه، فَهَذَا الفريق من الذِين يقولون: نفسي نفسي، فإذا متُّ فلا عاش أحد، يرى سعادة نفسه في شقاء الأُمَّة، وحياته في موتها، أعاذنا الله منه.
ومنهم من يبخل عَلَى نفسه وَعَلَى غَيْره، فَهَذَا أشرُّ الفريقين؛ ومنهم من يبذِّر ويسرف وينفق ماله، تراهم إن سمعوا منكرًا أقبلوا ملبِّين، وبذلوا فيه القناطير المقنطرة من الذهب وَالفِضَّة، وإن دعيتهم إِلىَ الإنفاق عُشُرَ ذَلِكَ في سبيل الوطن، والتعاون في مشروع حسن، عموا وصمُّوا وجعلوا أصابعهم في آذانهم، أولئك شرٌّ مكانا.
ومنهم من هو في الطريق المستقيم، يجود على نفسه وغيره، ويضع المال مواضعه، فما من سبيل خيريٍّ إِلاَّ وأخذ حظَّه، وما من نائبة نزلت ساحة قوم إِلاَّ وشاركهم فيها، وَهَذَا أعزُّ مكانا.
(1) - … سورة الإسراء: 29.