مجلة الشباب الأعداد الأولى
الجزء ١ · صفحة ٤٨(1/ 51)
فبوجوه هؤلاء الفضلاء الكرماء تسعد الأُمَّة وترتقي، وينشر ذكرها، وتعلى كلمتها، وبعدمهم تشقى وتضمحلُّ؛ فَهَذه الطرق أمامك، فاختر أيَّهَا شئت.
عشور.
الثبات والصبر
﴿إِنَّ الاِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ اِلاَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (1).
فكن أَيُّهَا الأخ ذا عقل كامل، وقلب صابر، فَإِنَّ الدنيا ميدان تتسابق فيه الهمم، وتتنافس فيه الأمم، فمن كان فيه ذا عقل ثابت، وقلب صابر فاز بالحسنى، وكانت يده في هَذِهِ الدنيا هي العليا، ومن بالعكس كانت يده هي السفلى، وعاش معيشة ضنكًا، ولا تنال هَذِهِ الرتبة إِلاَّ بالثبات والصبر وقلَّة الضجر والكسل.
الثبات هو السبب الباعث للرجل إِلىَ الأمل المحمود، حَتَّى استخرج أسرار الكون، واستخرج كنوز الأَرض، واخترع طيورا تطير في الجوِّ بغير جناحين وروح، وباخرة تغوص في وسط الماء، وآلة توصل الكلام آلاف الأميال بلا أسلاك؛ وما عمر الأَرض وشدَّ دعائم المدنيَّة إِلاَّ الثبات والصبر عَلَى مرارة العلم، وكثرة السهر ومطالعة الكتب، والبحث عن تواريخ الأمم الراقية، لا من الكسل وكثرة اللعب والنوم ومطالعة الكتب الرديئة.
وبالجملة ما قام عمران العالم، وقرب طريق السعادة للإنسان كالثبات، وَفي المثل: «من ثبت نبت، ومن صبر ظفر، ومن جدَّ وجد»، وكيف لا يظفر الصابر برعايته، والثابت ما يتمنَّاه، وهو يرى السعادة الحقيقة أمامه؟!.
وإذا بحثنا في تاريخ الإِسلاَم وقت النبوءة وما بعده بحثا دقيقا، وجدنا أَنَّ الصبر والثبات كانا من أهمِّ دواعي سيادتهم عَلَى سائر الأمم، وهكذا الحال في كُلِّ أُمَّة؛ فَإِنَّ الثبات والصبر من أفضل حلل نلبسها، وأفضل تحلية نتحلَّى بها.
(1) - … سورة العصر: 2 - 3.
(1/ 52)
وهل ظهر فرد من أفراد الأمم من غَيْر الثبات؟ وهل اخترعت حاجة من الضجر والملل؟ وهل قامت أُمَّة أو أسِّست جمعيَّة من الكسلاء والنائمين، وَهَذَا من المستحيل، وقد بلغ الثبات عند علماء المغرب في ابتداء نهوضهم ما يشهد لهم التاريخ بِكُلِّ وضوح.