مجلة الشباب الأعداد الأولى
الجزء ١ · صفحة ٩الهموم تسعى كُلَّ السعي في التفريق بين جفني، كُلُّ ذَلِكَ في سبيل حياتكم، لا يهنأ لي عيش، ولا يطمئنُّ لي بال إِلاَّ في سبيل إرشادكم وتثقيفكم، لا يستقرُّ بي قرار، ولا يطيب لي مقعد إِلاَّ مقعدي أمامكم، أستمطر عليكم سحاب فكري لإخصاب أرضكم، وانتعاشها.
ليس لي وقت أنْفَسُ من وقت أصرفه وأبذله في سبيلكم؛ إِنَّنِي لسعيد الحظِّ إذ حظيت بهذه الخدمة الجليلة؛ وأعدُّها فرصة ثمينة، ومنحة نفيسة منحت بها، لأَنِّي بِذَلِكَ أدرك مناي، وأحصل عَلَى مرغوبي، وهو فوزكم ونجاحكم، كيف لا! وأنتم غرض المنى، وَعَلَى أساسكم تشاد صروح المستقبل، وبكم تُحلِّقه في جوِّ السعادة.
لا أقول هَذَا مبالغة، وابتغاء حمد وشكر، أو جرَّ المغنم، أو دفعا لخطر، لا، لا؛ فمن اتَّهمني بشيء من هَذَا فقد جازاني مجازاة سنمَّار، وحقَّ عليه وعيد البهاتين .. إِنَّمَا هي وعزَّتكم حقيقة أبديتها، وغرض يعود نفعه إليكم توخَّيته، إذا فهمتم هَذَا، وأدركتم ما تنطوي عليه نفسي من العطف والولاء والإخلاص في خدمتكم، وعلمتم علم اليقين أَنَّ ذَلِكَ مجرَّد صدق ووداد وإخلاص لا تشوبه شائبة رياء، وغرض نفسانيٍّ، وكنتم مِمَّن يقرُّ بالإحسان، ويعترف بالجميل، إذا عرفتم بهذا الشكر أَنَّكُم تسارعون في مجازاتي، فتتساءلون عن جائزة تليق بي فتمنحونيها جزاء لخدمتي، وشكرا لِمَا قمت به نحوكم.
(1/ 9)
هنا يجب عليَّ أن أرشدكم إِلىَ الجائزة التي تجازوني بها إذا جئتم بها؛ فقد قمتم بواجبكم، وكنتم من الشاكرين، ألا وهو العمل بما أطلبه منكم في هَذِهِ النفثات .. أرجو منكم أن تعيروا أذنا صاغية لِمَا قلت لكم، وَلِمَا سأقوله وتقفوا عليه وقفة المتفهِّم المستبصر، وتفسحوا له مجالا واسعا في قلوبكم.
وَإِنِّي عَلَى يقين بِأَن أجد ذَلِكَ منكم، لأَنَّهَا نفثات يمليها قلم عن قلب يفيض إخلاصا وولاء وصدقا، و «الكلام إذا خرج من القلب لا يقع إِلاَّ في القلب»؛ فاصغوا لِمَا أمليه عليكم، واعملوا به تفوزوا في الدارين، وَذَلِكَ أمور:
- أَوَّلاً: الاتِّحاد: لقد تفتَّحت عيونكم في عشٍّ واحد، ورضعتم من ثدي واحد، وحلَّقتم في جو واحد، ورتعتم من روضة واحدة؛ فعضُّوا عَلَى هَذِهِ الوحدة بالنواجذ، واسعوا كُلَّ السعي في إلحامها، والاحتفاظ عليها، وحوطوها بسياج متين من الأخلاق الفاضلة، حَتَّى لا ينفذ فيه سحر النفَّاثات، ولا تؤثِّر فيه قنابل المغرضين والمفسدين، لتكونوا روحا واحدة في أجسام متفرِّقة، تنظر وتسمع وتبطش وتمشي وتشعر بحاسَّة واحدة؛ إن مسَّت أحدكم حسنة تمسُّ الجميع، وإن أصابته مصيبة تصيب الجميع.
وانزعوا ما في صدوركم من غلٍّ، وكونوا إخوانا عَلَى سرر متقابلين، في هَذِهِ الدنيا، فتكونوا كَذَلِكَ في