الدرر البهية في الخطب الجمعية لبدر العبري ج2
الجزء ١ · صفحة ٧١هذا النداء الذي يسعى أعداء الإسلام إلى خَنْقِهِ وقَتْلِهِ من خلال مؤامرات العدوان على المسجد الأقصى، وهدمه لإقامة الهيكل المزعوم، وطَمْس معالم الحضارة والتاريخ الذي يرمز إليها المسجد الأقصى، الذي تَتَلامَعُ قِبابُهُ شامخة في سماء القدس، مؤكّدة إسلامية هذه الديار، ومانحة إياها وجهها الحضاري والعربي الذي تعمل مَعاوِل الاحتلال على تغييره وتهويده، في ظلِّ غفلة العرب، وانشغال المسلمين: وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ.
وإذا جئنا إلى الوراء قليلا، عندما بدأ الاستعمار الغربي يجر أذياله إلى بلاد المسلمين، يأكل خيراتهم، ويشردهم من أوطانهم، قامت الأمة ولم تقعد، وضخوا بنسائهم وصبيانهم من أجل عزتهم وكرامتهم، وأوطانهم ومقدساتهم …
فما الذي جعل أمة الإسلام اليوم تتساهل في ثوابتها ومقدساتها؟
وما الذي جعلها تفرط في دينها وقيمها؟
وما الذي جعلها تتبع غيرها شبرا بشبر، وذراعا بذراع …
أما كان لأمة الإسلام اليوم أن تكون أكثر جدارة بما تملكه ما أراض شاسعة، ومنافع متنوعة، وعقول متنورة، فضلا عن سكانها وخيراتها، أما كان الأجدر بها أن تحافظ على كل أرض من أراضيها، وان تعتز بأفكارها وماضيها، وترقى بحاضرها ومستقبلها!
نعم خرج الاستعمار الغربي من بلاد المسلمين، جارا وراءه الذلة والخيبة، ولكن بقي استعمار أشد، أتدرون ما هو؟ أو تفقهون حقيقته؟
إنه استعمار العقول، والذي نادى به مفكرو الاستعمار وفلاسفته في القرن العشرين، وفي خضم فشل الاستعمار العسكري، ودعمته المؤسسات الصهيونية، والمنتديات الماسونية، والشبكات العلمانية ....
درسوا ديننا وقيمنا، وفقهوا روابطنا وأخلاقنا، وأدركوا أسباب عزتنا وكرامتنا، لذا كانت برتكولاتهم مخططة حكيمة، وأهدافهم سديدة قويمة …
فاستطاعوا بما يملكون من إعلام وأقوال، ومال ونفوذ، أن يحققوا أحلامهم في أقل من نصف قرن من الزمان ....