الإمامة في الفقه الإسلامي (دراسة مقارنة) لعلي العبري
الجزء ١ · صفحة ١٥٧و»الإمام المتغلب« يجب عليه الأمر والنهي، لأنه يملك اليد »القدرة« على ذلك، فهو حينما يأمر القاضي أو غيره أن يقيم العدل، ويحكم بالحق، ويفصل بين الناس إنما يأمره »بما هو واجب عليه؛ لأن أمره ليحكم بين الناس بالحق والعدل هو أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وهو واجب على الناس، فهذا الجبار (=المتغلب) إنما أمر هذا الرجل بما هو لازم له فعله، فعليه أن يحكم بين الناس بالحق وينصف بعضهم من بعض، كان بأمر الجبار أو بغير أمره ما وجد السبيل إلى ذلك«([25]).
- والقول بإمامة المتغلب يعطي الحركات الانقلابية صفة شرعية، وأمتنا ذاقت الويلات من التمرد والانقلابات التي تأكل الأخضر واليابس، وتبقى حياة الأمة مطوقة بسلسلة من الانقلابات التي لا تنتهي، ومن تتبع تاريخ الدولة العباسية بعد المتوكل([26]) يرى إلى أي مدى كان الانقلاب والقتل عرفاً وأمراً مألوفاً، سار عليه العباسيون، أو قل: أجبر العباسيون على السير فيه.
إن القول بإمامة المتغلب إنما هو تقرير للواقع وإضفاء الشرعية عليه، وليس له أصل في الكتاب أو السنة، وإنما بدأت فكرة القهر والتغلب تنبت في الفقه السياسي الإسلامي بتصرفات معاوية السياسية والعسكرية.
ولعل عبارة التابعي الكبير الحسن البصري تؤكد هذه الحقيقة، إذ يقول: »أربع خصال كن في معاوية لو لك تكن فيه إلا واحدة لكانت موبقة: انتزاؤه على هذه الأمة بالسيف حتى أخذ الأمر من غير مشورة وفيهم بقايا الصحابة وذووا الفضيلة، واستخلافه بعده ابنه سكيراً خميراً يلبس الحرير، ويضرب الطنابير، وادعاؤه زياداً وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم »الولد للفراش وللعاهر الحجر، وقتله حجراً وأصحاب حجر، فيا ويلاً له من حجر ويا ويلاً له من حجر وأصحاب حجر«([27]).