الإمامة في الفقه الإسلامي (دراسة مقارنة) لعلي العبري
الجزء ١ · صفحة ٢٣كان أبو بلال ممن اشترك في واقعة »النهروان« مع المحكمة([1])، وبعد الهزيمة التي ألحقها بهم الإمام علي انتقل أبو بلال وجماعته إلى البصرة([2])، وقرروا انتهاج سبيل المعارضة السلمية، والدعوة بالحوار والإقناع، من غير أن يشهروا سلاحاً، فكانت دعوتهم تسري بين الناس بشكل سريع جعل عبيدالله بن زياد والي العراق (55-64ه) يقول: »كلام هؤلاء –أبو بلال وجماعته- أسرع إلى قلوب الناس من النار إلى اليراع«([3])، مما حمله على ملاحقتهم، وحبسهم وقتلهم([4])، وكان لا يترك لهم أي فرصة لطرح أفكارهم بطريقة علنية، الأمر الذي اضطرهم إلى الاختفاء وترك المناقشات العامة، والحوار العلني، واقتصروا على اللقاءات الخاصة في سراديب([5])، تحت الأرض أو في بيوت العجائز، يأتونها في هيئة النساء والتجار([6]).
إلا أن الوالي الأموي لم يكف عن حبس وقتل كل من يلقى القبض ليه فرأى أبو بلال أن البقاء في البصرة يعرض الجماعة للإبادة، والحركة إلى الزوال، فقال لأصحابه: »إنه والله لا يسعنا القيام بين هؤلاء الظالمين، تجري علينا أحكامهم، مجانفين للعدل، مفارقين للفضل، والله إن الصبر على هذا لعظيم، وإن تجريد السيف وإخافة السبيل لعظيم، ولكنا نشذ عنهم، ولا نجرد سيفاً، ولا نقاتل إلا من قاتلنا«([7])، فخرج مع بعض أصحابه باتجاه فارس ونزلوا »آسك«([8])، فأرسل إليهم ابن زياد ألفي رجل فهزمهم أبو بلال، ثم أرسل أربعة آلاف فقضوا على أبي بلال ومن معه، وهم بين راكع وساجد سنة 61ه([9]).
وكان لهذه الحادثة رف فعل عنيف عند أصحاب أبي بلال، الذين آثروا البقاء في البصرة »فعزموا على الخروج، ويفهم عبدالله بن إباض ونافع بن الأزرق ووجوه المسلمين، فلما جن الليل سمع عبدالله دوي القراء، وترنين المؤذنين وحنين المسبحين فقال لأصحابه: أعن هؤلاء أخرج معهم«([10])، فرجع وبقي في البصرة مع من بقي فيها من أصحابه.