الإمامة في الفقه الإسلامي (دراسة مقارنة) علي بن هلال بن محمد العبري أبو غالب

الإمامة في الفقه الإسلامي (دراسة مقارنة) لعلي العبري

الجزء ١ · صفحة ٤

فقد جاء الإسلام خاتماً للرسالات، ومهيمناً عليها في وقت هوت فيه البشرية إلى أدنى دركات الانحدار في العقيدة والسلوك، وفي العبادة والتصور، حيث اختفت كلمة التوحيد من كوكب الأرض، وانطمست معالم الفطرة، وضربت الوثنية بجذورها في العقل البشري، وأصبحت البشرية تتخبط في ظلمات بعضها فوق بعض، مما جعل انتشالها من ذلك الواقع أمراً تنوء بحمله الجبال، وتتردد في النهوض به الإرادة الصلبة، وكان الأمر به –حقاً- »قولاً ثقيلاُ« ألقاه الحق تبارك وتعالى على رسوله e فقام عليه الصلاة والسلام بمهمة لا تعرف الكلل، وإرادة لا يعتريها الوهن، يبلغ رسالة ربه، وينشر العدل والإيمان بلسانه وسنانه، حتى أكمل الله به الدين، وأتم به النعمة، فالتحق بالرفيق الأعلى تاركاً أمته على ملة الإسلام، عقيدة خالصة، وشريعة خالدة، ونظاماً للحياة شاملاً، فيه إجابة على كل تساؤل، وحكماً لكل قضية، وحلاً لأية معضلة، ديناً قيماً، حوى بين تعاليمه نظاماً سياسياً لا تسلط فيه ولا استبداد، ونظاماً اقتصادياً لا أنانية فيه ولا استعباد.

ونظاماً اجتماعياً لا طبقية فيه ولا استذلال، يعلم الناس كيف يختارون حكامهم كما يعلمهم كيف يتخلصون من فضلاتهم، كيف ينامون، وكيف يجاهدون، كيف يعبدون، وكيف يعملون، فكان أن سعدت الأمة في ضلاله عدلاً وأمناً، ومساواة ورحمة، وتكافلاً وتناصراً، إلى أن بدت عرى الإسلام تنقض عروة عروة بسبب قساوة القلوب، وغلبة الهوى وحب الشهوات.

ومما لا شك فيه أن عروة الحكم كانت أول عروة تنقض يوم أن أطلت الفتنة برأسها، وحدث ذلك الصراع الدامي حول الخلافة والإمامة الذي أوقف المد الإسلامي من الانسياح في أطراف الأرض لفترة من الزمن، وزعزع الأمة من الداخل، وطمس معالم الطريق، وكان العدل والشورى أول ضحايا تلك الفتنة، واستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، استبدل العلم بالظلم، والملك بالخلافة، والاستبداد بالشورى،.

٤ / ٢٥١